وائل غنيم.. فتى ثورة يناير الغامض

24 يناير 2015
الصورة
وائل غنيم في ميدان التحرير بعد إطلاق سراحه

يوم السادس من يونيو/حزيران 2010 انتشر خبر وفاة الشاب المصري خالد سعيد على أيدي عناصر شرطة في مدينته الساحلية الإسكندرية، وتحول مقتل الشاب والطريقة الوحشية التي قُتل بها، ثم تناول الإعلام الرسمي ووزارة الداخلية المتهم الرئيسي في قتله، إلى أهم مادة إعلامية وشعبية يتداولها المصريون.

في اليوم التالي مباشرة ظهرت على موقع "فيسبوك"، الذي بات وقتها ظاهرة في البلاد، صفحة باسم "كلنا خالد سعيد"، تهتم بمتابعة القضية وتفاصيلها ورصد ردود الأفعال عليها، وكذا متابعة القضايا المماثلة. لم يكن أحد وقتها يدري مَن وراء الصفحة، أو "الأدمن" الذي يقوم على تحديثها.

في بداياتها لم تكن الصفحة بالأهمية الكافية، لكنها سريعاً باتت منتشرة وتزايد عدد متابعيها وزادت مصداقيتها وتأثيرها.

في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، فاجأني صديقي وزميلي خالد البرماوي بما اعتبرته "قنبلة"، قال لي إنه أجرى حواراً مع "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد"، تم تجهيز الحوار للنشر في موقع "مصراوي" المملوك لرجل الأعمال نجيب ساويرس، والذي كان البرماوي رئيس تحريره وقتها.

بعد النشر تحدثت مع خالد مطولاً عن الحوار والشخصية. كانت معلوماته عمن حاوره لا تزيد كثيراً عن معلوماتي. أجري الحوار "أونلاين" بالأساس، ولم نكن وقتها نعرف اسم الأدمن الحقيقي أو تفاصيل عنه، المهم أن الحوار كان انفراداً صحافياً هاماً، وحقق مشاهدة واسعة، وهذا بالنسبة للصحافي الأهم.

في هذا الوقت كانت الصفحة "الفيسبوكية" إحدى أبرز صفحات حقوق الإنسان في العالم، والصفحة الأكثر نشاطاً في مصر والوطن العربي بعدد متابعين تجاوز 333 ألف مشترك، وعدد زيارات يزيد عن 2.5 مليون زيارة يومياً. لم تكن فورة صفحات "فيسبوك" في هذا الوقت تُقارن بما باتت عليه بعد الثورة، وليست بالتأكيد مثلما هي عليه الآن، مرت أكثر من أربع سنوات.

نشر الحوار قبل أقل من شهرين فقط من تفجر ثورة مصر في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، خلال الشهرين التاليين للنشر، لم تكن الغالبية العظمى من المصريين تعرف شيئاً عن الأدمن الغامض، كان الشائع أنه مصري يقيم في الخارج، لكن أجهزة الأمن استطاعت التوصل إلى شخصيته، خاصة وأنه عاد إلى مصر للمشاركة في النشاط بنفسه، تاركاً عمله المهم في واحدة من أهم مؤسسات العالم.

يوم 24 يناير/ كانون الثاني 2011 نشرت صفحة "كلنا خالد سعيد" وغيرها من الصفحات المناوئة لنظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، بيانا يدعو الشعب المصري للتظاهر في الشوارع في اليوم التالي، الذي كان يوافق "عيد الشرطة"، وكانت الدعوة مقصودة، لأن الجهاز الأمني كان سلاح مبارك الأساسي للسيطرة على البلاد ومقدراتها وقمع المعارضين وإسكات كل الأصوات المطالبة بالتغيير أو الرافضة للفساد المتفشي.

انتشرت الدعوة بالفعل واستجابت لها أعداد قليلة من المصريين يوم الثلاثاء 25 يناير، مساء الخميس التالي مباشرة (27 يناير) اعتقل الشاب وائل غنيم الذي لم يكن يعرف اسمه إلا نفر قليل من المصريين، وقيل وقتها على نطاق واسع إنه "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد"، التي بات عدد روادها ومتابعيها يقترب من النصف مليون شخص.

جرت في الأيام اللاحقة أحداث كثيرة، أبرزها "جمعة الغضب"، ثم "موقعة الجمل"، وبات التظاهر ضد مبارك يطلق عليه "الثورة"، وبات المطلب المعلن "ارحل".

في هذه الأثناء بدأت شركة "جوجل" البحث عن موظفها المختفي، كان وائل يشغل منصب المدير الإقليمي لتسويق منتجات جوجل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومشرفاً على تعريب وتطوير منتجات الشركة. بات اسم الشاب يتردد في أنحاء مصر، وبدأ كثيرون يصفونه بمؤسس الصفحة الثورية الأشهر في البلاد في تلك الأيام.

لم تعترف الشرطة المصرية أبداً باعتقال وائل غنيم، لكن الضغوط التي مورست على النظام الحاكم الذي كان يتزلزل وقتها داخلياً وخارجياً، جعلت رئيس الوزراء الجديد أحمد شفيق يقرر الإفراج عن عدد من المعتقلين المشاهير لإثبات حسن نيته واتجاهه للتغيير، كان بين هؤلاء وائل غنيم الذي أفرج عنه يوم الاثنين 7 فبراير/ شباط بعد 12 يوماً قضاها معتقلاً لا يعرف شيئاً عما يجري خارج الأسوار التي تحتجزه.

كنت في قلب ميدان التحرير عندما وصلني خبر الإفراج عن وائل غنيم، اتصلت هاتفياً بشقيقه حازم لتأكيد الخبر قبل نشره، لم يمنحني حازم الكثير من المعلومات، لم تكن لديه بالفعل إلا أنباء مثلما وصلتنا جميعاً. نشرت ما يتردد من أنباء عبر حسابي على "فيسبوك" و"تويتر"، كما اتصلت بمقر عملي (وكالة الأنباء الألمانية) لأبلغهم بما لدي من تفاصيل، نشر الخبر باعتباره أنباءً غير مؤكدة.



لاحقا ظهر وائل بصحبة الرئيس الجديد المعين للحزب الوطني حسام بدراوي، والذي قرر اصطحاب وائل بسيارته الشخصية إلى منزله، في مشهد تم ترتيبه إعلامياً، وأظهرته الكثير من وسائل الإعلام كدليل على نية النظام على التغيير استجابة لشباب الميدان.

بات اسم وائل غنيم يتردد صداه بين الثوار بعد حملات الدعوة لإطلاق سراحه، ثم الإفراج عنه، وبات معروفاً أنه مؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد". لابد هنا من لفت النظر إلى الدور الهام الذي قام به الناشط عبد الرحمن منصور في إطلاق الصفحة وتطويرها، لكن يبقى وائل غنيم مصدر شهرتها الأساسي.

في تلك الأثناء، كان نظام مبارك يراوغ بكل جهده للبقاء، وكان صوت الرافضين يعلو أكثر للمطالبة برحيله، في ليلة الإفراج عنه ظهر وائل غنيم مع الإعلامية منى الشاذلي في برنامجها الشهير "العاشرة مساء" على قناة "دريم" الفضائية، كان الإعلام المصري الخاص وقتها مرتبكاً للغاية، لا يدري إلى أي جهة ينحاز، خاصة وأن ملّاك القنوات الفضائية جميعاً من رجال الأعمال الذين تخضع مصالحهم للنظام بالأساس، كانت الفضائيات تخشى النظام الذي لازال يحكم قبضته على كل شيء في البلاد، وتستشعر في الوقت ذاته أن تغييراً على الأبواب، وبالتالي حاول الجميع "إمساك العصا من المنتصف".

قال وائل في البرنامج واسع المشاهدة "إن أجندتنا الوحيدة هي حب مصر"، وعندما ذكرت مقدمة البرنامج سيرة الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام الأولى من الثورة، انهار وائل غنيم وأجهش بالبكاء، وقال: "أريد أن أقول لكل أم ولكل أب فقد ابنه. أنا آسف لكن دي مش غلطتنا. والله العظيم مش غلطتنا. دي غلطة كل واحد متمسك بالسلطة ومش عايز يسيبها"، ثم فاجأ مقدمة البرنامج وجمهورها قائلاً: "عايز أمشي"، ولم يمهلها للرد وإنما قام من فوره مغادراً.




كانت تلك اللقطات القصيرة مفصلية مجدداً مثلما كانت صفحة "كلنا خالد سعيد"، وحققت دموع وائل غنيم تعاطفاً واسعاً في الشارع، الذي نكأ صدق الشاب المصري جراحاً كثيرة لديه وذكره بسنوات طويلة من القمع والفساد والفشل على كل المستويات.

في اليوم التالي، كان وائل غنيم نجم ميدان التحرير بلا منازع، استقبل الشاب استقبالاً مشهوداً، وتداول الآلاف صورة له مع والدة خالد سعيد، الذي بات يعرف باسم "الشهيد".




لم تمر إلا ثلاثة أيام، وتنحى مبارك وفوض صلاحياته للمجلس العسكري بقيادة وزير دفاعه المشير حسين طنطاوي، وبدأ طنطاوي ورجاله اللقاءات المتكررة مع من بات يطلق عليهم لاحقا وصف "شباب الثورة"، وبينهم وائل غنيم، وأحد اللقاءات الشهيرة التي لازالت صورة لها متداولة، ضمت الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي كان وقتها مدير المخابرات الحربية، وعنها كتب وائل غنيم "تدوينة" طويلة.

لكن تفاصيل لقاء أهم جرى قبل تنحي مبارك، وحضره وائل غنيم وآخرون، بينهم أحمد ماهر مؤسس حركة شباب 6 أبريل، في مكتب رئيس الوزراء وقتها أحمد شفيق، ربما فيها الكثير من الملامح عما كان يتم التحضير له.

عرفت بتفاصيل اللقاء في مكتب شفيق في مصر الجديدة، من خلال روايات متفرقة لعدد ممن حضروه، في الخلاصة: كان شفيق يتعامل مع الشباب باعتبار أن الأمر استقر له، وكان متعالياً متباهياً كعادته، ووزع عليهم "بونبوني" (نوع من الحلويات)، كان عليه شعار شركة "مصر للطيران" التي كانت تخضع لإدارته سابقاً كوزير للطيران المدني.

خرج الشباب من لقاء شفيق وكلهم ثقة بضرورة مواصلة الحراك حتى إزاحة مبارك تماماً عن السلطة، وكلهم يدرك أن النظام يحاول استعادة قوته ليفتك بهم، خرجوا من اللقاء إلى الميدان، وتسربت تلك الأفكار بين المتظاهرين فزادت إصرارهم على مطلبهم. وتنحى مبارك.

طوال فترة حكم المجلس العسكري كانت صفحة "كلنا خالد سعيد" تنحاز للطرف الثوري وتنتقد الحكام العسكريين وتفضح جرائمهم، باتت الصفحة في هذا الوقت مصدراً موثوقاً للأخبار في أنحاء العالم، حتى أن المجلس العسكري نفسه قرر تقليدها ودشن صفحة رسمية لنشر بياناته وتصريحاته على "فيسبوك".

وكان للصفحة دور هام خلال أحداث هامة جرت في تلك الفترة، بينها واقعة ضباط 8 أبريل، وأحداث محمد محمود الأولى والثانية، وأحداث مجلس الوزراء، ومجزرة ستاد بورسعيد وغيرها.



في تلك الفترة كنت متواصلاً مع وائل بشكل دوري، غالباً عبر "تويتر"، وتصادف أن كنت مع صديق مقرب في أحد مقاهي حي المهندسين بالعاصمة، نشارك في نقاش عن مساعي إطلاق شبكة اجتماعية جديدة يقوم عليها عدد من الشباب، بعد انتهاء اجتماعنا وعند مغادرتنا، شاهدنا وائل غنيم جالساً في أحد الأركان.

جمعتنا به جلسة امتدت لما يزيد عن الساعة، بات لدينا ما يشبه الثقة المتبادلة، كنت وصديقي صحافيين، لكنه كان يحدثنا باعتبارنا أصدقاء، لكن لا يمل من تكرار عبارة "مش للنشر"، تحدثنا في الكثير من الأمور، كان مثلنا جميعاً، لا يدري ما القادم، ولا إلى أي مسار ستتحول الأمور في بلادنا، وحدثنا أيضاً عن الكتاب الذي يعتزم إصداره عن فترة الثورة التي عايشها.

لاحقاً كتبت أنا أول تقرير باللغة العربية عن الكتاب في وكالة الأنباء الألمانية، حيث كنت أعمل. في فترة الانتخابات الرئاسية كان وائل غنيم من مؤيدي المرشح عبد المنعم أبو الفتوح وأحد الفاعلين في حملته الانتخابية، وفي المرحلة الثانية عندما انحصر السباق بين محمد مرسي وأحمد شفيق، انحاز إلى مرسي، وظهر ضمن شخصيات عدة في مؤتمر لدعمه، عرف بمؤتمر "فيرمونت".



لكن في فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي انحازت الصفحة ووائل غنيم لمعارضيه، وتولت فضح الكثير من الأخطاء التي وقعت في عهده. وقبل 30 يونيو بيوم واحد نشر وائل غنيم فيديو يطالب فيه مرسي بالإستقالة، عندها هاجمته علناً وانتقدت دعوته، محذراً من انقلاب عسكري وشيك، وكانت آخر مرة تحدثنا فيها مباشرة.

لكن اليوم الأخير للصفحة التي تجاوز عدد متابعيها 4 ملايين شخص، كان الثالث من يوليو/ تموز 2013، لم يكتب في الصفحة بعدها أي شيء، وإن بقي أرشيفها متاحاً لمن يريد.

لاحقاً لم يظهر وائل غنيم علناً إلا مرتين، الأولى عبر مواقع التواصل بعد نشر ما قيل إنه تسريبات صوتية يظهر اسمه فيها في الاسبوع الأول من يناير/كانون الثاني 2014، والثانية قبل أشهر قليلة في ندوة خارج مصر، ونالته الكثير من الاتهامات بالخيانة للثورة والشهداء، بل وموالاة الحكام العسكريين الجدد في مصر، والسكوت عن جرائمهم المتلاحقة، لكنه لم يرد أبداً.

يبقى أن ألفت النظر إلى مشروع وائل غنيم الذي يعمل عليه منذ نحو العامين، وهو "أكاديمية التحرير"، وهي أكاديمية للتعليم عن بعد وعبر الإنترنت، يستغل فيها طاقات الشباب لإنتاج وترويج مواد تعليمية مفيدة حول العالم وتقديم خبرات ومهارات لمن يرغب في ارتياد عالم الأعمال، خاصة في مجال التكنولوجيا.

 لم يكن وائل غنيم أبداً سعيداً بوصفه بالمناضل أو الثوري، أو مفجر الثورة، هو يرى نفسه شاباً مصرياً ضمن مئات الآلاف من الشباب المصريين التواقين إلى الحرية وتطور بلدهم، والذين شاركوا في ثورة شعارها "عيش. حرية. عدالة اجتماعية. كرامة إنسانية".

ختاما، لا أحد غير وائل غنيم نفسه يمكنه التهكن بأسباب انزوائه المفاجئ، أو بالأحرى قراره عدم الظهور والامتناع عن الحديث في السياسة على مدار الأشهر الماضية، شخصيا أجد أن من حق كل إنسان أن يقرر ما يشاء في ما يخصه وفق ما يناسبه، لكن يبقى من حقنا جميعا معرفة سبب توقف صفحة "كلنا خالد سعيد" عن العمل، كونها لا تخص وائل ولا أيا من القائمين عليها وحدهم، وإنما بات اسمها مرتبطا بالثورة المصرية التي بات الملايين شركاء فيها، ويبقى السؤال قائما في انتظار الإجابة: لماذا تقرر إيقاف الصفحة عن العمل؟ ومن صاحب هذا القرار؟

تابعونا #ثورات_تتجدد