هموم أوروبا

08 نوفمبر 2015
الصورة
قافلة مهاجرين على الحدود بين هنغاريا وصربيا

استخدمت الخبيرة الشقراء كلمة "أزمة" ثماني مرات في دقائق. تقول بشجاعة إنها "أكبر أزمة لجوء يشهدها العالم"، وتهزّ رأسها لتقنعنا بما تفوّهت به للتو.

لم يستخدم الخبراء الأوروبيون تعبير "أزمة" عن أكثر من مليونين ونصف فلسطيني لجؤوا إلى الأردن، ولا عن مليونين في الضفة الغربية وغزة، أو مليون ونصف سوري في تركيا، أو مليون ونصف أفغاني في الباكستان ومليون منهم في إيران...إلخ

الأمر إذن لا يتحوّل إلى "أكبر" و"أزمة" و"عالمية" إلا حين تطرق أعتاب أوروبا. أجل، الجائعون والفقراء والخائفون تركوا شاشات التلفزيون وأصبحوا الآن بينكم، إنها أزمة فعلاً.

ماذا لو أضفنا لإحصائيات "الخبيرة"، أرقام أولئك من كانوا سيفضّلون أن يكونوا لاجئين على أن يكونوا موتى؛ خمسة ملايين ونصف في الكونغو، مئة وخمسون ألفاً في العراق، أربعون ألفاً في أفغانستان، وأكثر من مئتي ألف قتيل في سورية.

يا إلهى، إنها تؤكد: "هجرة غير مسبوقة"! إذا نظرنا إلى حجم سكان العالم اليوم وقبل أكثر من مئة عام، وقارنّا بين الهجرات آنذاك بالتي تحدث الآن سنجد أن الفترة ما بين 1870-1914 هي السنوات التي تحرّك فيها البشر بشكل "غير مسبوق"، عابرين الحدود في هجرات مرئية وأخرى غير مرئية.

غير أن تلك الحركة كانت بين دول مستقرة، إحداها مكتظة والأخرى أقل اكتظاظاً، مثلما حدث بين أوروبا وأميركا مثلاً، حيث كان ثمة غرف خالية للقادمين. آنذاك، كان المهاجر يطأ الأرض الموعودة فيُطلب منه أن يذوب فيها، أن يصبح أميركياً على الفور، ولم يكن أحد يعلك مفهوم التعددية الثقافية بل كانت الكلمة الدارجة هي الذوبان.

اليوم، تحدث الهجرات من دول فقيرة إلى دول مكتظة أصلاً، وأول هموم الدولة المستقبِلة هو أن هؤلاء المهاجرين لا يذوبون، كأنهم ملح وأوروبا هي الماء العسر.

سيصلون من التلفزيون، مَن كنتم ترسلون إليهم الـ NGOs، والآن عليكم أن تكونوا أكثر واقعية، سترسلونهم إلى الريف والأماكن غير المأهولة، لن يظلوا هناك فقد أتوا بحثاً عن حياة أفضل، ولن يمكثوا في الأماكن الشاحبة التي حجزتموها لهم، وحين يصلون المدن ستحشرونهم في أحياء بعينها، وسيحشرون أنفسهم كذلك، ثم تكبر هموم أخرى.

سمّوها ما شئتم، الناس الآن لديها وسائل انتقال أكثر، والأهم أن لديها معلومات أكثر. يعرف الفقير أنّ هناك فرقاً كبيراً بين حياته كعامل فقير في البلقان وكعامل فقير في مصنع في ألمانيا؛ المعطيات ليست سارّة، لكنها غيّرت في كيفية فهم المهاجر لانتقاله وكيف تفهم أوروبا وأميركا الآن وصوله.


اقرأ أيضاً: ألم يخص الدولة وحدها

دلالات