هل يندم الناخب البريطاني على فعلته؟

24 نوفمبر 2016
الصورة
احتجاجات في لندن رفضاً لمغادرة الاتحاد الأوروبي (كاتي غرين/الأناضول)
+ الخط -
يوماً بعد يوم يكتشف الناخب البريطاني، أن الخسائر الفادحة التي لحقت أو يمكن أن تلحق به وباقتصاد بلاده بسبب قرار "البريكست" أكبر بكثير من المتوقع، وأن المكاسب التي سيحصدها من قراره التصويت لصالح خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، أقل كثيراً من حجم الخسائر التي ستلحق به سواء بشكل مباشر، من زيادة تكاليف المعيشة والأسعار والتضخم وتراجع قيمة عملته، أو بشكل غير مباشر من تراجع فرص العمل المتاحة وهروب الاستثمارات الأجنبية وفقدان العاصمة لندن ثقلها كأكبر مركز مالي في العالم. وأنه في ظل تعاظم الخسائر المتوقعة من القرار الصادم لكثيرين، قد يندم الناخب في يوم ما على قراره الذي حسم به معركة الاستفتاء التي جرت قبل 5 شهور.

يوم 23 يونيو/ حزيران الماضي اختارت غالبية البريطانيين التصويت بنعم لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، كان هؤلاء يتصورون أن مليارات الدولارات ستتدفق على الخزانة العامة عقب القرار التاريخي، وأن إغلاق البلاد أمام اللاجئين والمتدفقين على البلاد سيوفر المليارات التي يمكن توجيهها لخفض أسعار الوقود ومصروفات المدارس والجامعات وزيادة الرواتب والمعاشات.

وأن البلاد ستتحول لقوة اقتصادية مع ابتعادها عن مشاكل دول الاتحاد، وأن بريطانيا بهذه الخطوة لن تكرر تجربة ألمانيا الأليمة في تحمل تكاليف إنقاذ الدول المتعثرة بمنطقة اليورو كاليونان وقبرص وغيرها.

لكن هذا الرخاء المتوقع لم يحدث، بل العكس هو ما حدث، فعلى مدى 5 أشهر كشفت البيانات عن فداحة حجم الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد البريطاني جراء نتائج استفتاء البريكست، فالتوقعات الرسمية تشير إلى أن فاتورة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ستبلغ 100 مليار جنيه إسترليني "ما يعادل 124 مليار دولار" خلال 5 سنوات.

وخلصت دراسة أجراها بنك "كريدي سويس" للثروة العالمية إلى أن حجم الثروة في بريطانيا انخفض 1.5 تريليون دولار نتيجة هبوط قيمة الإسترليني منذ التصويت على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

والدين العام في بريطانيا في طريقه لتخطي حاجز التريليوني إسترليني بسبب "البريكست"، على الرغم من وعود الحكومة بالسيطرة على التمويل الحكومي.

ومنذ تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء، خسر الإسترليني نحو 20% أمام الدولار في موجة هبوط لم ينته، حتى الآن، ومن المتوقع أن يتواصل هبوط الإسترليني عقب بدء الإجراءات الرسمية للخروج من الاتحاد الأوروبي المقرر لها العام المقبل 2017، ورفع مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) سعر الفائدة على الدولار.


وأعلنت الهيئة الرسمية البريطانية، المكلفة مسؤولية إعداد الموازنة العامة، أن الحكومة ستضطر إلى استدانة 122 مليار جنيه إسترليني (143 مليار يورو) إضافية حتى العام 2021 مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وأفاد تقرير صادر الشهر الماضي عن شركة "أوليفر وايمان" للاستشارات المالية أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يكلف البنوك والشركات التابعة لها في البلاد خسائر في الإيرادات تصل إلى 38 مليار جنيه إسترليني (ما يعادل 48.34 مليار دولار)، إذا حدث ما يوصف بالانفصال الصعب الذي يقيد حرية دخول شركات القطاع إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

وحسب الأرقام أيضاً، فإن خروج بريطانيا يهدد بضياع ما يقرب من 75 ألف وظيفة في قطاع الخدمات المالية وحده إذا فقدت المملكة المتحدة القدرة على الوصول للسوق الأوروبية الموحدة، إلى جانب ضياع 10 مليارات جنيه إسترليني من الضرائب إذا فقدت الشركات البريطانية إمكانية بيع خدماتها في السوق الأوروبية.

ويوم 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري قدّرت دراسة صادرة عن مركز بحوث الاقتصاد والأعمال "هياتشي كابيتال"، في حي المال بالعاصمة لندن، حجم تراجع الاستثمارات البريطانية بنحو 82 مليار دولار، منذ استفتاء يونيو/حزيران الماضي.

وبحسب دراسة حديثة شملت نحو 1015 شركة، فقد قام العديد من الشركات البريطانية إما بإلغاء أو تأجيل استثمارات بقيمة 65 مليار جنيه إسترليني (82 مليار دولار) منذ التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي، لتتجه أكثر من 40% من الشركات الكبيرة نحو تقليص حجم أعمالها.

وخفضت الحكومة توقعاتها للنمو خلال العام القادم إلى 1.4% من 2.2% بسبب تراجع الاستثمارات وزيادة التضخم في أعقاب انخفاض قيمة الإسترليني.

كما تؤكد أرقام رسمية، أن بريطانيا ستشهد نمواً اقتصادياً متواضعاً حتى عام 2020، مع ارتفاع معدل التضخم وتراجع معدلات الاستثمار، لتؤدي هذه الأعراض مجتمعة إلى تدهور المالية العامة للبلاد بما يقرب من 100 مليار إسترليني".

في ظل ضخامة هذه الخسائر الحالية والمتوقعة، هل سيندم الناخب على قراره الذي صدم الرأي العام الأوروبي، أم يتم علاج القرار من خلال الضغط على البرلمان لرفض نتائج الاستفتاء؟

المساهمون