هل يصل الانسداد بترامب إلى الانسحاب من الانتخابات؟

03 يوليو 2020
الصورة
استطلاعات ترجح خسارة ترامب في الانتخابات (Getty)

يُسمع الكثير من الغرائب في واشنطن هذه الأيام، بشأن الأزمات المستعصية والاستحقاقات الكبيرة القادمة، منها ما يجري بالهمس أو بالإشاعة، ومنها ما يأتي في سياق الخطاب الرسمي، أو في مداولات المراقبين وقراءات المحللين وتوقعاتهم.

وأغرب ما تحتويه التحليلات هو تنبؤ البعض بأن الرئيس ترامب قد يعلن انسحابه من المعركة الانتخابية قبل موعدها بشهرين، أي في سبتمبر/أيلول القادم ويتركها لنائبه مايك بينس لخوضها باسم الجمهوريين.

  وحسب بعض المحللين، فإن ترامب "لا يطيق الخسارة" التي ترجحها كل الأرقام والاستطلاعات والموازين، وبالتالي لا خيار له لاجتناب الهزيمة غير الانسحاب من المواجهة.

هذا الاحتمال لا سابقَ له، ويبدو لأول وهلة أقرب إلى مزحة أو تعبير رغبوي يراهن على مزاجية الرئيس وعدم قدرته على التعايش "سوى مع الربح"، وربما لهذا بقي التداول به محصوراً في نطاق ضيق، لكن الوقائع والخلفيات تجعله غير مستبعد بالمطلق ولو بدا وكأنه نوع من التخيّل، علماً أن الخيال هو جزء من لعبة السياسة الأميركية في اللحظة الراهنة.

ويشير الميزان الانتخابي، منذ أسابيع، إلى أن حملة الرئيس ترامب متعثرة والحواجز في طريقها عاتية. وفي الأسابيع الأخيرة، تفاقمت الصعوبات، بحيث بدا أن معركته تسير في طريق مسدود. في آخر استبيان، جاء أن 87% من الأمريكيين "غير راضين على الوجهة التي تسير فيها البلاد ". كفة بايدن راجحة بـ 8 نقاط، 49 % مقابل 41 % لو جرت الانتخابات الآن. والأمر كذلك في حوالي 6 ولايات تقرر مصير المعركة.

 ولا يقل أهمية ميلان المؤشر لصالح الديمقراطيين في 3 ولايات تحسم التوازن لصالحهم في مجلس الشيوخ، وهذا أكثر ما يخص الجمهوريين الذين بدأت ممارسات الرئيس تنعكس سلباً على أوضاعهم، حسب ما تكشفه الأرقام وبما قد يحرمهم من الاحتفاظ بالأكثرية في هذا المجلس، خاصة إذا خسروا الرئاسة، ولهذا تتسرب معلومات وإشارات عن تململ متزايد في صفوفهم من "إصرار الرئيس على "أخطائه" في موضوع كورونا كما من عودة التساؤلات وعلامات الاستفهام حول سياساته "المتهاونة" مع الكرملين.

وعادت الجائحة أخيراً بقوة، نتيجة لفك الإغلاق المبكر في مايو/ أيار الفائت. فما دفع الرئيس ترامب إليه هو احتمال أن يعطي دفعة زخم للاقتصاد يكون له مردود انتخابي، وكان خياراً معاكساً لتحذيرات الهيئات الطبية، أدى إلى تصاعد انتشار الوباء بنسبة 50% في الولايات التي فُتحت أبوابها قبل الأوان، مما رفع الإصابات اليومية هذا الأسبوع والتي بلغت أمس الأربعاء 52 ألفاً لأول مرة منذ اجتياح الفيروس للساحة الأميركية. 

 وفي تقدير المرجع الأول، الطبيب أنطوني فاوتشي، قد يصل عدد الحالات قريباً إلى مائة ألف يومياً إذا بقيت التدابير على حالها. رقم مرعب  فرض إعادة النظر والعودة إلى قدر من الإغلاق في عدد من الولايات، والذي قد يكون تأخر عن موعده وبما يفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية، لكن الرئيس ما زال مصراً على أن الفيروس "سيختفي" قريباً.  معاكسة صريحة لواقع الحال، من شأنها أن تعطي المزيد من القوة لحملة بايدن الانتخابية.

تعزز تخلخل وضعه الانتخابي في اليومين الأخيرين، نتيجة تسريبات عميقة تفيد بأن الرئيس "تغاضى" عن معلومات استخباراتية تقول إن موسكو عملت على إغراء وشراء عناصر من قوات طالبان "لقتل الجنود الأميركيين" في أفغانستان، وتزعم المعلومات أن الرئيس اطّلع على المحتوى. 

البيت الأبيض نفى، ثم قال إن تلك المعلومات كانت "تنقصها المصداقية"، وبالتالي لم يُؤخذ بها. لقد بدا وكأن هناك ارتباكاً في تفنيد الخبر، إذ حاول وزير الخارجية مايك بومبيو أمس، في لقاء صحافي، ثم في مقابلة إذاعية تسخيف الرواية أكثر من التركيز على دحضها.

وحرّكت زيادة النبش في القصة أصواتاً في الكونغرس ومنها جمهورية، للمطالبة بالمزيد من التفاصيل وبالتحقيق فيها. مديرة الـ"سي آي أيه"، جينا هاسبل، التقت اليوم القيادات الثماني من الحزبين في مجلسي الشيوخ والنواب، لإطلاعها على المعلومات. عند هذا الحد انتهت المسألة، حتى الآن بعد أن تركت الكثير من الأسئلة المعلقة حول ما إذا كان البيت الأبيض قد تعمد لفلفة الموضوع أم أن هذا الأخير جرى تضخيمه أكثر من اللازم. 

وعلى أية حال، ما زالت الشكوك تحوم حول الموضوع،  لا سيما بعد أن دخل الكونغرس على الخط بحزبيه، وزاد من الضغط على الإدارة أن هذا التطور استحضر موضوع التدخل الروسي في انتخابات 2016، وما أدى إليه من تحقيقات كادت أن تتحول إلى محاكمة للرئيس في الكونغرس، فكان أن تعزز الارتياب، خاصة وأن القصة تتعلق بالقوات المسلحة حتى ولو كانت بأقل من الحجم التي جاءت به.

كل ذلك عمّق من مأزق ترامب، واستطراداً عزز من وضع بايدن، وكان يمكن أن تكون الأرقام الراهنة قبل 125 يوماً من يوم الانتخاب، غير ذي مدلول  وازن على اعتبار أنه في الحالات العادية ما زال الوقت كافياً لتغيير المعادلة، كما حصل في 2016، لكن التحدي بالنسبة للرئيس أن العوائق الصحية والاقتصادية القائمة، باقية حسب التقديرات إلى ما يتعدى هذه المدة.

كورونا "لن يختفي قريباً"، حسب الأطباء، والانتعاش الاقتصادي الحقيقي "بعد" على مسافة عام أو اثنين. ورغم أرقام اليوم التي كشفت عن عودة 4.8 ملايين إلى مراكز عملهم الشهر الماضي، فهذا العدد لا يدلّ على وظائف وفرص عمل جديدة بقدر ما يشير إلى عودة للعمل في المؤسسات التي اضطرت إلى الإغلاق، والتي ما زالت تعمل بقوة الدفع المالي الذي وفرته حزمة التحفيز والتعويم والتي تنفذ مخصصاتها في أواخر العام الجاري. بعدها، من المتوقع أن يرجع التعثر إلى شيء مما كان عليه، هذا إذا لم يكن أكثر لو استفحلت الجائحة وبما يؤدي إلى المزيد من "كربجة" حملة ترامب.