هل نجحت المرأة القطرية في ريادة الأعمال؟

هل نجحت المرأة القطرية في ريادة الأعمال؟

06 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تمكّنت دولة قطر من تحقيق مكاسب هائلة من خلال تطوير قطاع الموارد الهيدركربونية واستثمار عوائده في بناء البنية التحتية الاجتماعية للدولة. وتفاديا لتقلبات أسعار النفط والغاز، وعدم استدامتهما كموارد طبيعية، وسعيا إلى تأمين الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للجيل القادم، حسب رؤية قطر الوطنية 2030، فقد توجهت قطر أخيرا نحو تنويع اقتصادها في المجالات التي تمتلك فيها قدراتٍ كامنة ومواطن قوة. وقد تمكّنت قطر، خلال العقود الثلاثة الأخيرة الماضية، من تحقيق إنجازات متلاحقة في مجالات التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كان للمرأة القطرية دور هام فيها، وذلك بفضل الدعم الحكومي لها، والذي انعكس جلياً في ارتفاع مستوى تحصيلها التعليمي، ومشاركتها في الاقتصاد الوطني وسوق العمل وريادة الأعمال. وفي سبيل ذلك، توسّلت الحكومة القطرية إصلاحات سياسية وتعليمية واجتماعية، كما اتخذت تدابير لازمة لسد فجوات النوع الاجتماعي، وبما يُمكن المرأة القطرية من أداء دورها المأمول في التنمية بكل مجالاتها، كما دعمت المرأة تشريعيا وهيكليا من خلال سن عديد من التشريعات والسياسات المُشجعة لها على ممارسة وريادة الأعمال، بل والمشاركة في سلسلة أوسع من الأنشطة الاقتصادية، من خلال إنشاء أجهزة تشغيلية، وتحديدا بنك قطر للتنمية وشركاؤه، وتقديم أطر ومبادرات كثيرة لتمكينهن اقتصاديا. 
تبحث هذه الدراسة الوصفية في دور المرأة القطرية، ومساهمتها في التنوع الاقتصادي لقطر، حيث يتم أولا تقديم عرض مختصر لتطور الاقتصاد القطري، والتوجه المؤخر نحو التنوع الاقتصادي، ثم تتم مناقشة تطور التحصيل التعليمي المتميز للمرأة القطرية، ومشاركتها في سوق العمل، كما سيصار إلى تحليل خوض المرأة القطرية لريادة الأعمال، بما في ذلك التطرّق للدعم الحكومي لها من خلال الأجهزة التشغيلية التي تم إنشاؤها. وأخيرا أهم التحدّيات المؤسسية والتنظيمية التي تواجهها المرأة القطرية في ريادة الأعمال. وقد خلصت الورقة إلى أهمية الدور الذي لعبه التحصيل العلمي للمرأة القطرية في ريادة الأعمال، على الرغم من بعض الصعوبات والتحديات، التي تواجهها، كالتمويل، سواء في بداية انطلاق أعمالهن، أو تلك الضامنة لاستمرارها لاحقا. وعلى الرغم من الدعم السياسي والحكومي الُمقدّم للمرأة القطرية، وبالذات التأهيلي والتدريبي واللوجستي، ما زال هناك حاجة إلى بذل مزيد من الجهود وتطوير بعض اللوائح والأنظمة التي من شأنها تفعيل مشاركة المرأة القطرية في التنوع الاقتصادي، حيث أظهرت الدراسة الحالية أنه لا بد من تطوير مزيد من الأطر والأدوات والتسهيلات الخاصة بالمرأة القطرية، لدعم ريادتها للأعمال، علاوة على ضرورة توفير المعلومات الاقتصادية والتنظيمية والتشريعية بشكل عام، وتلك المتعلقة بالسوق المحلي وفرص ريادة الأعمال الجديدة ومنافذ التوزيع والتسويق، بحيث يُمكنهن اتخاذ القرارات الواعية المبنية على الاحتياجات الفعلية للسوق، ما يمكّنهن لاحقا من حُسن إدارة أعمالهن واستمراريتها وتطويرها. وتخلص الدراسة إلى أنه كلما هدفت الأطر والخدمات الداعمة لتنيمة أعمال المرأة وتطويرها بشكل خاص، كانت هذه الخدمات أكثر فعالية في زيادة فرص حصولهن على مساندة أكبر لبدء أعمالهن واستمراريتها وتنميتها.
تمكّنت المرأة القطرية، في ظل الدعم الحكومي لها، وبالذات في مجالي التعليم وولوج سوق 
العمل، من تفعيل مشاركتها الاقتصادية. كما ساعدها تنوع فرص التعليم والتدريب والتأهيل في لعب دور بارز في العملية التنموية، حتى باتت مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي خطوة كبيرة ومطلوبة. من ناحية أخرى، يمكن القول إجمالا إن قطر تملك فرصة ممتازة لتطوير بنية تحتية ومؤسسية لريادة الأعمال بشكل عام، وللمرأة القطرية خصوصا، مُستندة في ذلك إلى رؤية قطر الوطنية 2030، وتأكيدها، كما وضحنا سابقا، على تطوير ريادة الأعمال، وبالذات للشباب، الالتزام الذي أصبح واقعا، وتجسد في تأسيس مؤسسات وطنية داعمة وحاضنة لريادة الأعمال، مثل بنك قطر للتنمية وشركاؤه، والتي ساهمت بدورها في دعم الاقتصاد القطري وقطاع ريادة الأعمال. ومع ذلك، ما زالت هناك تحديات تواجهها المرأة القطرية في ريادتها الأعمال وتُشكل عائقا أمامها، وهذا ما حاولت هذه الدراسة البحث فيه.
أظهرت الدراسة أن ارتفاع مستوى التحصيل العلمي للمرأة القطرية ساهم بشكل مباشر في إقبالها على ريادة الأعمال، بل أنه مطلب لتطوير مهاراتهن ومعارفهن مع تقدّم عمر المشروع وتنوع نشاطه وزيادة عدد فريق العمل. كما أشارت الدراسة إلى التأثير الإيجابي للدعم الحكومي من خلال بنك قطر للتنمية وشركاؤه، وبالذات الخدمات الاستشارية والتدريبية واللوجستية في تسهيل وتشجيع ريادة المرأة القطرية للأعمال، بل واستمرارها فيه. أما بالنسبة للتحديات، فإن تحديات ما قبل بدء المشروع تختلف إلى حد ما عن تحديات ما بعد مرحلة التشغيل، مع اشتراك المرحلتين في تحدّي التمويل والحصول عليه وإدارته. أما التحديات الأخرى فتنوعت بين البيروقراطية الحكومية، والمتمثلة في طول الإجراءات وتعقيدها، المنافسة القوية المحلية والخليجية، والتسويق والتوزيع. وما زال المتسبب الرئيسي في عدم التمكين الكامل للمرأة القطرية من ريادة الأعمال، حسب رأي المشاركات في الدراسة، هو التمويل، سواء قبل التأسيس أو بعد مرحلة التشغيل والتطوير، فالتحدي هنا لا يتوقف فقط على توفر رأس المال اللازم لبدء المشروع، بل حتى تطويره لاحقا. على الرغم من إشارة بعض المشاركات وتلميحهن إلى سيطرة العقلية الذكورية، سواء في بعض المجالات الاقتصادية المتاحة لريادة المرأة (كالعقارات والسياحة) أو المسيطرة في الجهات الخدمية المتعلقة بتسهيل أنشطتهن الاقتصادية، والتي تؤمن بتحجيم دور المرأة وعدم الترحيب بخوضها مجالات التجارة، حيث أشارت مشاركات إلى "نصح" بعض الموظفين من الرجال في الجهات الحكومية لهن بقولهم "إن الرجل وحده القادر على النجاح في التجارة"، وأن عليهن "المكوث في البيت وتربية أبنائهن"، إلا أن هذا لم يكن عائقا حقيقا أمام إصرارهن وعزمهن على إنشاء مشاريعهن.
تبقى المعلومات المتاحة عن ريادة المرأة القطرية للأعمال محدودة وغير متوفرة، أو غير
 كاملة، وتتطلب بذل مزيد من الجهود من القطاعات المسؤولة والباحثين في المستقبل لأرشفة توثيق البيانات وتنسيقها من ناحية، وإجراء مزيد من البحوث والدراسات في مجال ريادة الأعمال من ناحية أخرى. وعلى الرغم من الجهود المبذولة من الحكومة القطرية في تمكين المرأة القطرية بريادة الأعمال، من المهم أن تؤخذ في الاعتبار الأنظمة القانونية والهياكل التنظيمية، والممارسات الاجتماعية والثقافية، والتباين فيما يتعلق بمدى عمق التكامل التنظيمي والمالي لتمكين المرأة من ريادة الأعمال كتحديات مُعيقة.
على الرغم من الدعم الحكومي الذي تقدّمه الدولة، إلا أن الوعي باحتياجاتهن الخاصة من المنتجات والخدمات ما زال غير كاف. ولهذا، تطالب المشاركات بوجود سياسة مخصصة لهن، أو تراعي خصوصيتهن وظروفهن الاجتماعية، فيما يخص تسهيل إجراءات بدء وتشغيل النشاط والدعم المالي والقروض. إلى جانب هذا، وعلى الرغم من الدور التوعوي الذي يلعبه بنك قطر للتنمية وشركاؤه في التعليم والتدريب، ما زال ينقص رائدات الأعمال، وبالذات حديثات العهد، الدراية التامة بالأمور المالية والمهارات والمعرفة اللازمة سواء لبدء المشروع أو لتشغيله لاحقا، وتحديدا للتعامل مع البنوك والحصول على التمويل.
ولهذا توصي الدراسة بـ: توسيع الخدمات والمنتجات الخاصة بريادة الأعمال، وبالأخص خدمات ومنتجات التمويل التي من شأنها تشجيع ودعم إطلاق المشاريع في بداياتها، والتوسع والنمو المستقبلي بعد مرحلة التشغيل. التوجه نحو تخفيف حدّة بيروقراطية السياسات والإجراءات الحكومية لتسهيل إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشغيلها، بما يتناسب مع خصوصية المرأة القطرية. إنشاء وتطوير قاعدة بيانات كاملة لرواد الأعمال تشمل، على سبيل المثال، جميع اللوائح الحكومية التنظيمية والقانونية وخيارات التمويل والمشاريع الحالية وخيارات السوق القطري والمشاريع الجديدة المطلوب التوسع فيها. توحيد الجهود وتنسيق الإجراءات بين الجهات المرتبطة في جميع سياسات وإجراءات ريادة الأعمال بشكل عام وللمرأة بشكل خاص، بحيث يتم إيضاحها بشكل مباشر وواضح، والعمل على تقييمها ومتابعة تنفيذها دوريا، للتأكد من مطابقتها أي مستجدّات.
________________________________________________
فصل دراسي ضمن كتاب "التنوع الاقتصادي في دول الخليج العربية" الذي صدر أخيرا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.