هل قرأ العرب وثيقة كارانجيا؟

14 اغسطس 2019
الصورة
ربما لم يسمع معظم قراء هذه المقالة باسم الصحافي الهندي، روسي كارانجيا، لكن أبناء جيلنا العتيق تعرّفوا إليه في حينه، ومنهم من لا يزال يحتفظ في مكتبته بنسخة صفراء من كتيّبه الذي ذاع صيته عندنا في طبعته العربية، بعد نكسة حزيران 1967، والذي لم تتجاوز صفحاته المائة، وقد أطلق عليه كارانجيا عنوان "خنجر إسرائيل"، مقرّا بأنه مدين بهذا العنوان لصديق عربي شبّه إسرائيل بخنجر أجنبي مسدّد إلى رقبة العالم العربي. 
تعيد مسألتان مطروحتان اليوم الى ذاكراتنا المتعبة مضمون كتيب كارانجيا، وأعني السعي الحثيث للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وأركان إدارته، وبعض حكام يقال إنهم عرب، لتصفية القضية الفلسطينية، والعمل على محوها من الذاكرة نهائيا تحت لافتة "صفقة القرن"، وكذلك ما نراه ماثلا أمامنا في العراق والعالم العربي من صفقات أخرى، بعضها معلن وبعضها الآخر لا يزال تحت الطاولة، يراد منها تقسيم ما قسمته سابقا اتفاقية سايكس بيكو، و"اجتثاث" المشروع القومي العربي، وإن على نار هادئة، وبين المسألتين أكثر من رابطة، وهدف كل منهما يكمل الآخر.
الوثيقة التي قال لنا كارانجيا إنه حصل عليها من شخصيةٍ كانت تعمل آنذاك في المقر الرئيسي لحلف بغداد في العراق وضعتها قيادة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بعد سنوات معدودة على قيام الكيان الصهيوني. وتتضمن الخطوات العملية التي يرى الإسرائيليون أنها تضمن إدامة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وتكرس قيام "الوطن القومي لليهود" على أرضها.
إعادة قراءة الوثيقة اليوم تحيلنا إلى مشاهد بانورامية لأحوال ما قبل ستة عقود. في حينها، كانت إسرائيل كيانا قد وُلد للتو، ولم يقف على قدميه بعد، وسط عالم عربي مجزأ، لكن أبناءه كانوا يحملون بشائر يقظة ونهوض مرتقب. تحدّد الوثيقة "المهمة القومية لدولة إسرائيل"، وهي "لم شمل الشتات اليهودي، وتحقيق هدف الحركة الصهيونية الأساس في إنشاء دولةٍ تطمح إلى أن يصل عدد سكانها على مدى حياة جيل واحد إلى ثلاثة ملايين حتى أربعة ملايين". ولتحقيق مهمة كهذه، تقترح الوثيقة وضع خطط لعمليات عسكرية دفاعية، على أن تأخذ لاحقا طابعا هجوميا يسعى إلى تحقيق هدفين: هدف قريب يركز على الاستيلاء على أراضٍ من الأقطار المحيطة تمثل ضرورة آنية لأمن إسرائيل، وجعل القدس نقطة الانطلاق، وهدفا بعيدا يسعى إلى الاستيلاء على مناطق تفي بجميع الاحتياجات المستقبلية لدولةٍ في طريق النمو.
تؤكد الوثيقة أن الوصول إلى الهدفين يستدعي القيام بحملاتٍ سياسية لإثارة الخلافات بين 
الأقطار العربية، وتأجيج الصراعات الدينية والعرقية بين أبنائها، والعمل على تقويض مساعي الوحدة في ما بينها، لأن العرب سوف يعملون على مواجهة إسرائيل إذا كانوا متحدين.
أخطر ما تتضمنه الخطة أنها ترسم سيناريوهات التقسيم المطلوب للعالم العربي، والذي يضمن ليس تأمين المتطلبات الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية لإسرائيل فحسب، إنما يؤبد وجودها، ويضعها في دائرة الفعل والتأثير الدائمين، وتشمل سيناريوهات التقسيم "دولة درزية في الصحراء وجبل تدمر، دولة شيعية في جنوب لبنان، دولة مارونية في جبال لبنان حتى حدوده الشمالية، دولة علوية في اللاذقية حتى تركيا، دولة كردية في شمال العراق، ودولة أو منطقة ذات استقلال ذاتي للأقباط في مصر، وإنشاء ممرّات غير عربية تشق طريقها عبر المناطق العربية"!
تتطرّق الخطة أيضا إلى سعي الولايات المتحدة إلى إنشاء قواعد لها في البلدان العربية لحماية منابع النفط، وتشكيل ثقل مقابل القوة العسكرية السوفياتية. هنا في وسع إسرائيل، بحسب الوثيقة، أن تلعب دورا مهما يتمثل في تعزيز العلاقة بأميركا وبقية الدول الكبرى ومحاولة اللعب على الخلافات القائمة بينها. والوثيقة بعد هذا كله تشرح، بالتفصيل وبالأرقام، خططا لحروبٍ محتملة مع العرب، وتحدّد متطلباتها، وخصوصا الاحتياجات العسكرية، وكذلك احتياجات السكان المدنيين الذين يتم ضمان أحوال عادية لهم في فترات الخطر.
على الرغم من خطورتها على الأمن القومي العربي، لم تحظ "وثيقة كارنجيا" هذه باهتمام دوائر القرار عندنا، ولم نسمع عن خطة عربية لمواجهة فاعلة بمستوى ما طرحته الوثيقة، بل يصفعنا ما نراه اليوم بحقيقة أن إسرائيل تتمدد، وعدد سكانها يصل إلى تسعة ملايين، فيما يستسلم العالم العربي لقدره، يزداد تفكّكا، ويضيق على أبنائه، إلى درجة أن أكثر من 50 مليونا منهم هجروا أوطانهم، ومن بقي أصبح همّه الأكبر الحصول على رغيف خبز أو فسحة حرية، وقد يكون القادم أكثر مرارة!

تعليق: