هل فشل كورونا بقمع الاحتجاجات الشعبية؟

هل فشل كورونا بقمع الاحتجاجات الشعبية؟

11 مايو 2020
الصورة
تجددت الاحتجاجات في العراق بعد توقف (مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -
شكل انتشار فيروس كورونا نقطة تحول في مسار العديد من الاحتجاجات الشعبية حول العالم، ومتنفساً للأنظمة والحكومات التي وجدت في الفيروس فرصة لقمع الاحتجاجات من خلال قوانين الحجر ومنع التجمّعات والتحشّد لغايات صحية. ولكن الأيام الماضية أثبتت أن الأسابيع التي مرت على الحجر الصحي في معظم دول العالم كانت كافية للحد من انتشار الفيروس، ولكنها لم تكن كافية لإطفاء جذوة الاحتجاجات الشعبية، حيث عادت المظاهرات لتندلع مجدداً في عدد من الدول لتجدد مطالبها السابقة، خاصة مع عدم استفادة الأنظمة من الفرصة التي منحها إياها الفيروس لتحقيق أي من المطالب الشعبية، بل إن الفيروس عمّق تلك المطالبات بفعل انتشار البطالة وتوقف العمل في معظم القطاعات الاقتصادية.

في هونغ كونغ، طاردت قوات مكافحة الشغب، يوم أمس الأحد، متظاهرين في مراكز تسوق، فيما دعا النشطاء المنادون بالديمقراطية إلى تجمعات خاطفة يوم عيد الأم للمطالبة بمزيد من الديمقراطية وباستقالة رئيسة السلطة التنفيذية. وكانت المدينة التي تتمتع بحكم شبه ذاتي قد شهدت سبعة أشهر من الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية العام الماضي، في تظاهرات شارك فيها الملايين وغالباً ما تخللتها أعمال عنف. وتسببت اعتقالات واسعة وأزمة فيروس كورونا بفترة من الهدوء، لكن مع تصدي المدينة بنجاح للوباء، عادت إليها تظاهرات صغيرة مجدداً في الأسبوعين الماضيين. واستغل النشطاء مناسبة يوم عيد الام للتركيز على رئيسة السلطة التنفيذية كاري لام، الموالية لبكين والمعينة منها. وقال طالب جامعي لوكالة فرانس برس "إنها مجرد تحمية، حركتنا الاحتجاجية بحاجة لأن تبدأ مجدداً". وأضاف "إنه مؤشر على أن الحياة تعود إلى الحركة، نحتاج جميعاً أن نصحو الآن".

أما عربياً، فيبدو أن الاحتجاجات التي كانت تشهدها عدة دول عربية قبل انتشار الوباء بدأت بالعودة مجدداً، حيث استؤنفت احتجاجات متواضعة مناهضة للسلطات في بعض المدن العراقية، الأحد، وشهدت مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، منهية نحو ثلاثة أشهر من الهدوء النسبي بعيد أيام من استلام رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي مقاليد السلطة. وانطلقت الاحتجاجات الشعبية للمرة الأولى في بغداد ومدن الجنوب، في تشرين الأول/أكتوبر 2019، للمطالبة بمكافحة الفساد والبطالة وتغيير الطبقة السياسية التي تحتكر الحكم منذ 17 عاماً. لكن الانقسامات السياسية الداخلية، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والحظر المفروض بفعل تفشّي فيروس كورونا، أنهى الحراك فعلياً مع بداية العام 2020، رغم بقاء عدد من المتظاهرين في خيام منصوبة بساحات التظاهر في جميع أنحاء البلاد.
وبعد منح البرلمان الثقة الأسبوع الحالي لحكومة الكاظمي، أصدر الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي دعوات إلى تجديد التظاهرات، قائلين إن رئيس الوزراء الجديد كان جزءاً من الطبقة نفسها التي يرفضها الشارع.

وكان المحلل السياسي علي حسين الجبوري قد توقّع أن يزداد زخم التظاهرات خلال الفترة المقبلة، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن ذلك قد يعزى لإصرار الكتل السياسية على فرض المحاصصة في حكومة الكاظمي، وهو الأمر الذي خرجت تظاهرات تشرين لرفضه.

ولفت إلى عدم حدوث أي تغيير إيجابي يمكن أن يقنع المتظاهرين، مضيفاً "بل على العكس، استجدّت أزمات صحية واقتصادية وأمنية لم تكن موجودة عند انطلاق التظاهرات، وهذا سيدفع بالتأكيد نحو مشاركة واسعة في التظاهرات، خصوصاً إذا طبقت الحكومة خطتها باستقطاع مرتبات الموظفين والمتقاعدين لمعالجة الخلل في تمويلها".

وتجدّدت التحرّكات الشعبية، مساء الثلاثاء 29 نيسان/إبريل، باتجاه فروع المصارف في عددٍ من المناطق اللبنانية، اعتراضاً على الأزمات الاقتصادية والمعيشية والنقدية واحتجاز المصارف لودائع اللبنانيين وفرضها قيوداً مشددة على السحوبات، ولا سيما بالعملة الصعبة، وشهدت مدن شمالية وجنوبية وبقاعية قطعاً للطرقات ومواجهات هي الأعنف من نوعها. حيث كانت حركة الاحتجاج الشعبية قد استؤنفت بالتزامن مع دخول لبنان المرحلة الأولى من تخفيف إجراءات التعبئة العامة التي فرضها انتشار فيروس كورونا، وعاد المحتجون بقوة إلى الشارع مساء الأحد 27 نيسان/إبريل، وقطعوا معظم الطرقات في مختلف المناطق اللبنانية بالإطارات المشتعلة وسط انتشار أمني كثيف. وأدى ظهور الفيروس إلى تعليق انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر، التي انطلقت اعتراضاً على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وغياب الإصلاحات الجذرية التي وعدت بها حكومة حسان دياب، والتي حلّت محلها فوضى سوق الصرافين الذين يتحكّمون بالدولار حتى تجاوز الأربعة آلاف ليرة لبنانية، ما أفقد العملة الوطنية أكثر من 70 بالمئة من قيمتها من دون أي حسيب أو رقيب أو تدخّل من قبل المسؤولين عن حماية حقوق المواطنين. حتى إن المساعدات الاجتماعية والمالية التي وعدت بها الأسر الأكثر حاجة، لم تصل إلى العائلات، في ظلّ ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وعدم قدرة وزارة الاقتصاد على ضبطها، مع زيادة معدلات الفقر والبطالة.

مع توقعات مظلمة بخصوص مستقبل الاقتصادات العربية وأثر فيروس كورونا عليها، يبدو أن موجة جديدة من الاحتجاجات من المتوقع ظهورها، حيث توقع صندوق النقد الدولي في تقريره عن منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، الصادر في نيسان/إبريل 2020، انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 2.3%، والإماراتي 3.5%، والعراقي 4.7%، والقطري 4.3%، والبحريني 3.6%، والكويتي 1.1%، والليبي 58.7%، والعماني 2.8%، واليمني 3%، واللبناني 12%، والأردني 3.7%، والموريتاني 2%، والمغربي 3.7%، والصومالي 2.5%، والتونسي 4.3%، والفلسطيني 5%، والسوداني 7.2%، والجزائري 5.2%. كما يتوقع تراجع نسبة نمو الاقتصاد المصري إلى 2% فقط.

ويفاقم من هذه التوقعات انهيار أسعار النفط منذ أوائل شهر نيسان/إبريل الماضي بفعل تراجع الطلب الدولي على النفط، لتوقف عجلة الاقتصاد وتوفر العرض وامتلاء مستودعات التخزين.