هل تنجو المصارف الغربية من جائحة كوفيد 19؟

21 مايو 2020
الصورة
مانهاتن حيث تتركز الثروة والمصارف التجارية (Getty)
+ الخط -

حتى الآن لم تشهد المصارف التجارية الغربية إفلاسات بسبب جائحة "كوفيد19" رغم تكبد أسهمها خسائر ضخمة في أسواق المال، مع الارتفاع الملحوظ في حجم القروض المشكوك في تحصيلها بسبب إغلاق الاقتصادات والعزل الاجتماعي وتزايد إفلاسات الشركات وانهيار أسعار النفط.

لكن ذلك لا يعني أن القطاع المصرفي العالمي الذي يعد الركيزة الرئيسية للنظام المالي العالمي، قد نجا من تداعيات جائحة الفيروس التاجي التي أفلست العديد من القطاعات الأخرى. 

وحسب المؤشرات الأولية للخسائر، فإن اقتصادات عديدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، ستنضم خلال العام الجاري إلى قائمة الإفلاس، وبالتالي ربما ستمتنع عن تسديد "سندات اليورو"، أي تلك التي استدانتها بالدولار.

ويقدر خبراء ماليون أن وضع المصارف التجارية خلال جائحة كوفيد 19 الحالية أفضل بكثير مما كانت عليه في العام 2007 وقبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية في سبتمبر/أيلول 2008.

لكن رغم هذه المراكز المالية الجيدة لدى القطاع المصرفي الأميركي وإلى حد ما في أوروبا، فإن خسائر القروض تتزايد في آسيا وربما تفوق نصف ترليون دولار بنهاية العام الجاري، حسب تقييم وكالة التصنيف الائتماني الأميركية "ستاندرد آند بوورز".

كما يقدر خبراء مصرفيون، أن ترتفع مخصصات المصارف التجارية في أوروبا وأميركا خلال العام الجاري إلى أكثر من مائتي مليار دولار لتغطية القروض غير العاملة، أي تلك التي تدر دخلاً وربما ينتهي أصحابها إلى إعلان إفلاسهم، وكانت المصارف الأميركية والأوروبية قد رصدت نحو 50 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الجاري لتغطية القروض المشكوك في تحصيلها.

من ضمن هذا الرقم، رصدت المصارف الأميركية الستة الكبرى، "سيتي غروب" و"جي بي مورغان تشيس" و" بانك أوف أميركا" و" ويلز فارغو" و"غولدمان ساكس" و" مورغان ستانلي"، نحو 25.4 مليار دولار كمخصصات للديون المشكوك في تحصيلها خلال الربع الأول من العام الجاري.
ومن المتوقع أن يرتفع حجم مخصصات القروض المعدومة في الربع الثاني من العام، إذ إنه الربع الذي شهد منذ بدايته فترة العزل والإغلاق وتوقف الدخول. وهذه المخصصات التي رصدتها المصارف الأميركية تمثل ارتفاعاً بنسبة 350% مقارنة بما كانت عليه المخصصات في نفس الفترة من العام الماضي.

وإضافة إلى ارتفاع مخصصات الديون المعدومة واجهت المصارف التجارية في أميركا وأوروبا ما يشبه الانهيار في أسهمها خلال شهر مارس/ آذار الماضي رغم أنها عادت للتحسن خلال الشهر الجاري بسبب التفاؤل بعودة الاقتصادات والمصانع للتشغيل.

وحتى الآن تراهن البنوك التجارية في أميركا، في النجاة من جائحة كوفيد 19 على قوة مراكزها المالية والأصول الممتازة.

إذ حسب بيانات مصرف الاحتياط الفدرالي، فإن لدى البنوك الأميركية الكبرى أصولاً تقدر بـ 2.9 ترليون دولار، من الموجودات ذات النوعية الممتازة، أي القابلة للتسييل السريع، كما أن قيمة محافظ أسهمها تقدر بنحو 1.3 ترليون دولار. وهذه البيانات التي نشرها مصرف الاحتياط الفدرالي تغطي الفترة حتى نهاية الربع الأول من العام.

على صعيد المصارف التجارية الكبرى في آسيا، تتوقع وكالة " ستاندرد آند بوورز" للتصنيف الائتماني في دراسة شملت أكبر 20 بنكاً في آسيا، أنها تتوقع أن تتكبد محافظ القروض بهذه المصارف خسائر تقدر بنحو 300 مليار دولار خلال العام الجاري. ويحدث ذلك حسب تقييم الوكالة بسبب إفلاسات الأعمال التجارية المتوقعة أو عدم قدرة الشركات على السداد.
كما تتوقع الدراسة أن يرتفع حجم مخصصات ديونها المشكوك في تحصيلها إلى 600 مليار دولار بنهاية العام. ومن المتوقع أن تأخذ المصارف الصينية حصة الأسد من هذه الخسائر، حيث قدرت الوكالة خسائر محافظ القروض بالبنوك بنحو 224 مليار دولار خلال العام الجاري، أما بالنسبة لمخصصات الديون المشكوك في تحصيلها فتقدرها الوكالة بنحو 471 مليار دولار.

ومن المتوقع أن تشهد البنوك الصينية خلال العام الجاري نقصاً في السيولة الدولارية خلال العام الجاري في حال تطور النزاع التجاري المتفاعل حالياً مع واشنطن، وتضطر تبعاً لذلك لتسييل بعض حيازاتها في سندات الخزانة الأميركية التي تفوق ترليون دولار في الوقت الراهن.

على الصعيد الأوروبي تبدو البنوك الأوروبية ضعيفة إلى حد ما مقارنة بنظيرتها الأميركية من حيث حجم الأرصدة والمراكز المالية. وفي مطلع إبريل/نيسان الجاري أبلغ البنك المركزي الأوروبي بنوك منطقة اليورو، ألا تدفع توزيعات أرباح ولا تعيد شراء أسهم حتى أكتوبر/تشرين الأول على الأقل، وأن تستخدم أرباحها في دعم الاقتصاد الذي يئن تحت جائحة كوفيد 19.

وأقرت معظم البنوك الأوروبية في بياناتها للربع الأول من العام الجاري، بصعوبة دفع توزيعات للعام الجاري، لكن بعض البنوك الكبيرة مثل سانتاندير الإسباني و"إنتيسا سان باولو" و"أوني كريديت" الإيطاليين ما زالت متمسكة بخطط دفع جزء من أرباح العام الماضي.

ويراقب المركزي الأوروبي موازنات البنوك التجارية ومستويات السيولة بمنطقة اليورو، ويعمل على تعزيز قدرتها على امتصاص الخسائر ودعم الإقراض. وبالتالي نصحها ألا تدفع توزيعات للعامين الماليين 2019 و2020 وحتى أول أكتوبر/تشرين الأول 2020 على الأقل. كما دعاها كذلك إلى الابتعاد عن عمليات إعادة شراء الأسهم.
من السمات البارزة لجائحة " كوفيد 19" الفوضى التي نشأت في أسواق المال العالمية خلال الشهرين الماضيين ودفعت مؤشراتها نحو الانهيار في بعض الفترات، لولا ترليونات الدولارات التي ضختها المصارف المركزية وعلى رأسها مصرف الاحتياط الفدرالي " البنك المركزي الأميركي".

وكانت أسهم المصارف التجارية في أوروبا وأميركا من أكبر ضحايا انهيارات سواق المال، إذ تراجعت مؤشرات أسواق رئيسية في أميركا وأوروبا بأكثر من 30% خلال 30 يوماً بين نهاية فبراير والأسابيع الثلاثة الأولى من شهر مارس الماضي.

وحسب رصد أداء هذه المؤشرات بين 19 فبراير/ شباط و20 مارس/ آذار، وهي فترة الاضطراب الكبير التي سبقت التدخل المكثف للبنوك المركزية العالمية بقيادة مجلس الاحتياط الفدرالي " البنك المركزي الأميركي" في الأسواق، يلاحظ أن مؤشر " ستاندرد آند بوورز 500"، وهو أهم مؤشرات القياس لمسارات الأسهم في الولايات المتحدة، انهار من 3373 نقطة إلى 2409 نقاط.

بينما خسر مؤشر فاينانشيال تايمز البريطاني نحو 9 آلاف نقطة، وتراجع مؤشر نيكاي الياباني بنحو 8 آلاف نقطة. وهي الفترة التي زرعت الرعب في داخل أروقة المصارف المركزية وقيادات السياسة المالية في العالم الغربي وهددت إلى حد ما بقاء النظام المالي العالمي.

في هذه الفترة تراجعت أسعار أسهم المصارف التجارية الكبرى في أوروبا وأميركا، إذ تراجع سعر سهم " سيتي غروب" بقرابة 50% من 78.22 دولارا إلى 39.69 دولارا، كما تراجع سعر سهم مصرف "جي بي مورغان تشيس" من 137.49 دولارا إلى 85.30 دولارا، وفي لندن تراجع سهم مصرف باركليز من 181.32 إسترليني إلى 86.45 إسترليني.
وربما ستصبح المصارف بالدول الفقيرة من أكبر ضحايا جائحة كوفيد 19 بسبب افتقارها للعملات الصعبة. وكان صندوق النقد الدولي قد اقترح إنشاء "محفظة أصول" تمنح هذه الدول فرصة السحب من تمويلات الصندوق البالغة ترليون دولار.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترض على ذلك. ومعروف أن موافقة الولايات المتحدة التي تملك أكبر حصة في حقوق السحب الخاصة بالصندوق مهمة لإجازة مثل هذا القرار.

وكان من المقرر أن تضاف الآلية الجديدة المقترحة إلى جهود تعليق الديون الذي أقرته مجموعة العشرين في اجتماعها الأسبوع الماضي.

المساهمون