هل بدأ العدّ التنازلي لداعش؟

06 فبراير 2015
الصورة
+ الخط -
هل سيؤدي إعدام الصحافيين اليابانيين والطيار الأردني، معاذ الكساسبة، إلى بناء حشد عسكري وشعبي يسرع في المواجهة مع داعش؟ هل ستطلق حادثة حرق الطيار الأردني المجال لحرب برية؟ يبدو مرجحاً، اليوم، أن الأردن موافق على مثل هذه الحرب التي تحظى بتأييد شعبي، ويبدو أن داعش استدرج، أو استدرج نفسه إلى مرحلة جديدة، ستؤلب ضده فئات اجتماعية وشعبية واسعة، وربما يكون ما أراده داعش ردعاً للدول، وتخويفاً للناس، بداية للتفكك والاستعداء الواسع.
استطاع داعش أن يسيطر على مناطق واسعة من العراق وسورية، ويؤشر ذلك، بالتأكيد، على قوة هذه الجماعة وتأثيرها، وعلى الرغم من أن التنظيم لفت اهتمام العالم، منذ سيطرته على مدينة الموصل، ثاني المدن العراقية، فإنه، في الواقع، كان يسيطر على مناطق واسعة من العراق، منذ العام 2003، ويملك التنظيم موارد مالية متأتية من النفط والنشاط الاقتصادي القائم في مناطقه، يمكن تقديرها وملاحظتها، بقدرته على توفير السلاح والتمويل لعملياته ومؤسساته ورجاله.
ويمكن، أيضاً، ملاحظة التأييد الفكري والاجتماعي والسياسي لداعش، بالنظر إلى حالة العرب السنّة في العراق وسورية، والذين يمثلون قاعدة اجتماعية واسعة للتنظيم، إضافة إلى البعثيين وقوات الجيش العراقي السابق واستخباراته، والتي يمكن أن تشكل قوة ضاربة، ومصدراً للخبرات والقتال. وكذلك المنشقين عن الجيش السوري، وفي صفوف المظلومين والمهمشين في أوروبا والدول العربية والإسلامية، والجماعات الإسلامية ومؤيديها، والمتدينين في أنحاء العالم، والذين يملكون رؤية دينية مشحونة بالإيمان، وعزيمة على العمل والقتال، وطاقة لاحتمال الأعباء والتضحيات المترتبة على ذلك. وفي سلسلة تاريخية طويلة ومتصلة من الهزائم، والردود عليها، ومحاولات استرداد الكرامة والخلافة الإسلامية المهدورة منذ مائة عام!
تقدر مصادر موارد داعش بملياري دولار سنوياً، مستمدة من حقول النفط والمناطق والمدن التي تسيطر عليها، والأراضي الزراعية الخصبة، والتي تقدم موارد ومحاصيل وافرة، وبحسب تقرير لـ "سي إن إن"، فإن داعش يحصل على الأموال من مصادر عدة؛ الابتزاز، فيشير مجلس العلاقات الدولية إلى أنه، وفي عام 2013، عندما كانت الموصل تحت سيطرة العراق، كان تنظيم "داعش" يحصل على ثمانية ملايين دولار شهرياً، بسلب الأموال وفرض الضرائب على أصحاب الأعمال المحليين. ومع إحكام التنظيم سيطرته على مناطق واسعة من العراق، يتوقع أن يتضاعف المبلغ، كما ظهرت تقارير أفادت بأن التنظيم يقتطع جزءاً من المساعدات الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرته، والمخدرات وعمليات الخطف وغسيل الأموال، إذ قال مراسل "The Daily Beast" جوش روجين، لـ "سي إن إن" إن التنظيم يمتاز "بالحصول على أمواله، من خلال نشاطاتٍ، مثل الخطف والسرقة والسطو، والاتجار بالمخدرات". وحسب صحيفة "نيويورك تايمز" فإن "داعش" تبيع الكهرباء لحكومة الأسد، من مصانع للطاقة في شمال سورية، وإنه تمكن من القيام بهذه العمليات بشكل سهل، بعد أن أوضح النظام السوري ملاحقته جماعات معارضة أخرى في المنطقة. وقد أظهر التنظيم توجهاً للسيطرة على مصانع توليد الطاقة في العراق أيضاً. وتعتبر المناطق في شمال سورية غنية بالنفط، وتحصل "داعش" على تمويل من خلال بيعها النفط الخام للحكومة السورية. وقد كسب مقاتلوه كثيراً من سيطرتهم على الموصل التي تعتبر ثاني أكبر المدن العراقية، في بداية يونيو/حزيران، إذ سطا التنظيم على البنك المركزي ومراكز مالية في المدينة، وحصل على مبلغ كبير قدر بنحو 430 مليون دولار.
ونشر التلفزيون الفرنسي خريطة موضحة للمناطق التي يسيطر عليها "داعش"، تشمل الجزء الأكبر من شمال سورية، بدءاً من الحدود مع تركيا، عند مدينة منبج جنوباً وحتى مدينة
أكجاكال التركية على الحدود شمالاً، وحتى مدينة البوكمال على الحدود مع العراق. وفي العراق، يسيطر التنظيم على مساحة شاسعة غرب البلاد، تمتد إلى مدينة الموصل في الشمال، مروراً بمدن كركوك وبيجي وتكريت وسامراء والفلوجة، إلى الجنوب على مقربة من العاصمة بغداد.
وهناك مؤشرات على تراجع التنظيم، اجتماعياً وشعبياً وعسكرياً وفرص تفككه، مثل التحالفات الجديدة، الكردية والعربية السنّية، ومن المرجح أن امتناع داعش عن دخول بغداد، أو عجزه عن ذلك، يؤشر إلى حدود قدرات هذا التنظيم وانتشاره، ومستقبله أيضاً. وقد حدث انشقاق كبير في "القاعدة"، فانقسم بين الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة أبو بكر البغدادي، وجبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني، لكن معظم مقاتلي القاعدة انضموا إلى داعش، وحسب دراسة لأستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، نشرته مجلة فورن أفيرز، باراك مندلسون، فإن موقف الظواهري والمقدسي وأبو قتادة من "داعش"، يضعفه معنوياً، ويؤثر سلباً على اجتذاب المؤيدين.
وفقد داعش الشرعية التي كان يستمدها من "القاعدة" الأم، ومن الشخصيات الدينية المؤثرة في الوسط المؤيد لهذا التيار في العالم، وقد يكون ذلك خطوة في التدمير الذاتي للتنظيم، كما حدث من قبل للجماعات المسلحة في الجزائر، عندما أفقدها التشدد والسلوك الوحشي تأييداً شعبياً واجتماعياً ودينياً واسعاً كانت تحظى به، وبفقدانه المؤيدين، يفقد التنظيم، أيضاً، سيطرته على الأراضي والبلدات، ويتحول أعضاؤه ومؤيدوه من المتدينين المنضبطين إلى المغامرين، ضعيفي التعليم والتدين، والذين ينضمون إلى التنظيم لدوافع مصلحية، وحتى جرمية، لأجل الانتقام والسلب والنهب.