هل باع الفلسطينيون أراضيهم؟

11 مايو 2015
الصورة

عجوز فلسطينية تواجه أوامر مصادرة أرضها (11فبراير/2015/Getty)

تتردد في بعض الأوساط الاجتماعية العربية خرافةٌ مفادها بأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم لليهود، ورحلوا إلى دول الشتات، ويُقال هذا الكلام، عادةً، في محاولة تبرير التخاذل والتخلي عن القضية الفلسطينية، ونقرأ لأقلام عربية، موغلة في دعوات التطبيع مع الكيان الصهيوني، كلاماً مشابهاً، فيما تؤكد الدعاية الصهيونية الرسمية، أن الفلسطينيين تخلوا عن أراضيهم، وهاجروا تلبيةً لدعوة الحكام العرب، بينما تثبت التحقيقات التاريخية أن عملية تهجير وقتل واسعة حصلت للفلسطينيين، على أيدي العصابات الصهيونية، وأن الرحيل لم يكن خيار العرب الفلسطينيين، إنما كان تهجيراً، سبقته عمليات تطهير عرقي، قامت بها العصابات الإسرائيلية ضد العرب.

دحض المؤرخون الجدد الإسرائيليون، من أمثال آفي شلايم وإيلان بابيه وبيني موريس، الرواية الصهيونية الرسمية عن نشوء الكيان الصهيوني، وأثبتوا حصول عمليات تهجير وتطهير للفلسطينيين "السكان الأصليين من العرب"، ويؤكد بيني موريس في كتابه "نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين"، بعد فحصٍ دقيق للوثائق الإسرائيلية، أن الرواية الإسرائيلية الرسمية عن هجرة الفلسطينيين غير صحيحة، ويعرض خريطةً حوالي 369 مدينةً وقرية في فلسطين، ضمن حدودها المعروفة عام 1949، ليشرح أسباب رحيل سكانها. ويعترف موريس بأنه يجهل أسباب الرحيل في 45 حالة، أما في 228 حالة، فقد رحل السكان بسبب الهجوم الصهيوني عليهم، وفي 41 حالة نتيجة طردهم مباشرة بالقوة العسكرية، فيما هرب السكان مذعورين في 90 حالة أخرى، بسبب ما سمعوا عنه من مجازر في جوارهم، وخصوصاً مجزرة دير ياسين التي انتشرت أخبارها بشكل واسع.

لم يبع الفلسطينيون أراضيهم للصهاينة، كما أن العرب لم يطلقوا نداءات للفلسطينيين بمغادرة أراضيهم، ويلاحظ موريس أن الزعماء العرب لم يوجهوا أي نداء يدعو إلى الرحيل، ولم تقم أي حملة في الإذاعات أو الصحف العربية تطلب من الفلسطينيين مغادرة أراضيهم، بل العكس هو ما حدث، كما يوضح المؤرخ الإسرائيلي، سيمحا فلابان، إذ يشير إلى دعواتٍ أطلقها أمين عام جامعة الدول العربية، عبد الرحمن عزام، تطلب من العرب الفلسطينيين عدم مغادرة منازلهم، كما أن قائد جيش التحرير العربي، فوزي قاوقجي، أصدر تعليماته بوقف الهجرة بالقوة.

حصلت موجات متواصلة من الهجرة، بسبب الهجمات الصهيونية والمجازر التي ارتكبتها العصابات في حق العرب، وبشكل عام، يحاول بيني موريس فهم الرحيل بوصفه معبراً عن الضعف البنيوي للمجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت، ويشرح هذا بالضعف بالإشارة إلى النقص في البنية الإدارية لحكم المدن والقرى الفلسطينية، وضعف الزعماء المحليين، والافتقار إلى منظمة عسكرية قوية، وكل هذا أدى إلى سقوط المدن الرئيسية في أبريل/نيسان ومايو/أيار عام 1948. ويؤكد موريس أن سقوط المدن الرئيسية وهجرة سكانها أضعف معنويات سكان القرى والأرياف، لأن القرى، على الرغم من اكتفائها الاقتصادي، تعتمد على المدن في قيادتها سياسياً، وهو ما جعل هرب الطبقة الوسطى وسكان المدن، نموذجاً للقرويين الفلسطينيين.

حصلت موجة رحيل كثيفة بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران عام 1948، وكان أحد أسبابها ما عُرِف بخطة "دالت" التي كانت، في جوهرها، بحسب موريس، تطهيراً لأراضي "الدولة اليهودية"، من جميع القوى المعادية، وهذا يشمل معظم المدن والقرى، وعلى الرغم من أن موريس ينفي وجود خطة متكاملة للترحيل، لكنه يرى أن مرحلة خطة دالت، وما تلاها، تُمَكِّن من تلمس سياسة ترحيل، فيما يخص بعض المقاطعات والبلدات ذات الأهمية الاستراتيجية، وهو يوثّق لأعمال تهجير كثيرة. واستناداً إلى الأموال الضخمة التي جمعتها الوكالة اليهودية في الولايات المتحدة، وجمعها سياسيون صهاينة، فقد تمكنت العصابات الصهيونية من التنظُّم والتسلُّح بشكل ممتاز، ونفذت عصابات "الهاغاناه" و"الأرغون" الخطة، عبر هجمات شرسة على المدن والقرى الفلسطينية، وتم تدمير القرى وتهجير أهلها، بغض النظر عن مقاومتها للهجمات الصهيونية من عدمها.

فعلت مجزرة دير ياسين فِعْلَهَا، وأثارت الرعب في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وتبعتها أعمال احتلال المدن الكبيرة، فقد احتلت "الهاغاناه" مدينة حيفا، وصدرت الأوامر إلى الكتيبة 22 من لواء غولاني (تشمل الهاغاناه ستة ألوية بينها لواء غولاني، وقد كانت العصابات الصهيونية نواة جيش العدو الصهيوني)، بقتل كل عربي بالغ يُصادفها، وبإضرام النار في كل الأهداف الممكن إحراقها، كما يوثق ذلك موريس، ولم يبقَ بعد الهجوم من أصل 70 ألف عربي إلا 3-4 آلاف من السكان، فيما رحل الباقون، وقُتل من قُتِل منهم. وقد حصل الأمر نفسه في يافا وصفد، إذ أُخليت المدينتان من معظم سكانهما العرب، وحصلت عمليات تهجير واسعة، نتيجة القتل والترويع، وفي عكَّا، خيَّرت "الهاغاناه" السكان بين الاستسلام أو الانتحار، وكانت النتيجة أن ثلثي العرب من هذه المدينة هاجروا مُرغمين إلى المنفى.

التذكير بهذه الحقائق، المرصودة بالوثائق والأرقام، مهم لتثبيت جوهر القضية الفلسطينية، ومواجهة المحاولات المتعمدة لإعطاب الذاكرة العربية، وتحويل هذه القضية إلى نزاعٍ حدودي، فيما هي بالأساس، قضية شعب تم تهجيره، ضمن عملية تطهير عرقي، حصلت برعاية استعمارية غربية. وعليه، لا بد أن نتذكر جيداً مسألة اللاجئين الفلسطينيين، فهي أصل الصراع، وعودتهم أساس كل حل، ولا يجب أن يُغيِّر حق عودتهم التخاذل العربي الرسمي، أو أن يسقط بالتقادم.

دلالات

تعليق: