هذا التقارب اللافت بين تركيا والأردن

07 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
على نحو مفاجئ نسبياً، دبّت الحيوية في شرايين العلاقات التركية ــ الأردنية عبر لقاء لم يعلن عنه مسبقاً جرى في عمّان بين وزيري خارجية البلدين، نهاية يوليو/تموز الماضي، وشهد تطابقا تاما في الرؤى والمواقف السياسية مع حواراتٍ لافتةٍ ذات مغزى جرت أيضاً بين وزيري الدفاع ومسؤولي الاستخبارات في البلدين. وهناك تصريح مهم جداً للسفير التركي في عمّان بأنه سيتم التوصل إلى اتفاق اقتصادي جديد، بدلاً من ذاك الذي ألغته عمّان من طرف واحد في العام 2018، ومَثَلَ نقطة افتراق مرحلي بين الجانبين. 
للحقيقة، ظلت أنقرة منفتحة طوال الوقت على مبدأ العلاقات الجيدة مع عمّان، والرغبة الدائمة في تطويرها وتحسينها. هنا يجب تذكّر أن الأردن كان عضواً في التكتل الرباعي مع تركيا ولبنان وسورية الذي وصفه الرئيس التركي، أردوغان، بالسوق المشتركة الضخمة من مائة مليون مواطن، يتمتعون بحرية الحركة لهم ولبضائعهم، بحرية ومن دون عراقيل، هذا الأساس الذي أدى إلى رفع تأشيرة الزيارة لرعايا البلدين، ومن ثم التوصل إلى اتفاقية التجارة الحرة في العام 2009 التي ألغتها عمّان من جانب واحد في العام 2018 وبشكل مفاجئ، على الرغم من احتجاج شرائح معتبرة من التجار ورجال الأعمال الأردنيين ورفضهم، وعدم ممانعة أنقرة في التفاوض وإجراء مراجعة تقييم لها حتى تحسينها أو تعديلها، إذا لزم الأمر وفق المصالح المشتركة، وقاعدة رابح رابح التي يتحدّث عنها أردوغان دائماً.
على الرغم من البرود المؤقت في العلاقات خلال عامين تقريباً، إلا أنها ظلت دافئة شعبياً (ثمّة دعم جماهيري أردني كبير لتركيا وسياساتها في المنطقة)، مع ود رسمي، أقله من الجانب التركي، إذ أظهرالرئيس أردوغان عاطفة واضحة تجاه ملك الأردن عبد الله الثانى في قمة دول منظمة التعاون الإسلامي الاستثنائية، في ديسمبر/كانون الأول 2018، التي استضافها في إسطنبول احتجاجاً على قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، مع التأكيد القوي والحازم على دعم الحق الفلسطيني العربي الإسلامي المسيحي في المدينة، كما الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة فيها.
وتكاد المواقف والرؤى التي أعلنها وزيرا الخارجية في المؤتمر الصحافي المشترك تختصر القصة كلها من التقارب، ثم التباعد المؤقت، والعودة إلى التقارب مرة أخرى، فالقضية 
الفلسطينية كانت حاضرةً بقوة، بل طاغية على حديث الوزيرين. وكما نعلم جميعها، فهي لا تعتبر شأنا خارجيا بالنسبة للأردن، إنما داخليا لما لها من تأثيراتٍ على أوضاعه واستقراره بكل المستويات، السياسي الاقتصادي والأمني. وفي هذا السياق، توافق الوزيران على دعم حل الدولتين، وعلى القدس عاصمة لفلسطين، مع دعم الوصاية الأردنية على المقدسىات الإسلامية، ورفض توطين اللاجئين الفلسطينيين أو حل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مع تقديم الدعم المالي الضروري اللازم لها، لتقوم بدورها في خدمتهم، حتى حلّ قضيتهم بشكل عادل وفق الشرعية الدولية والقرارات ذات الصلة.
تمثل المواقف السابقة والمقاربة المشتركة للتطورات والمستجدات الإقليمية بالتأكيد دعماً تركياً مباشراً للأردن، كونه متضرّرا من التحرّكات المشبوهة لنزع الوصاية على المقدسات منه، كما تصفية "أونروا" وتصفية القضية الفلسطينية ككل على حسابه، وبما يرتد سلباً عليه، وعلى المستويات كافة أيضاً.
ثمة تلاقٍ كذلك تجاه القضية السورية، وتركيا كانت متحمسة لدعوة الأردن إلى حوار أستانة عضوا مراقبا، كما أن عمّان تعي الدور التركي المركزي في القضية التي تؤثر أيضاً على مصالحها واستقرارها، مع توافق طبعاً على دعم حل سياسي عادل، وفق قرارات الأمم المتحدة وإعلان جنيف، لتمكين الشعب السورى من تقرير مصيره بنفسه. وقد أخذت الرغبة في تطوير العلاقات بعداً أعمق مع حوارات وزيري الدفاع وقادة الأجهزة الأمنية في البلدين، ما يعني أننا أمام قرار سياسي رفيع جداً بتطوير العلاقات، على مستويات مختلفة، بما فيها العسكري – الأمني، للتعبير عن التطابق في الرؤى والمقاربات بين البلدين.
هذا سياسياً عسكرياً وأمنياً؛ أما اقتصادياً، وبالعودة إلى إلغاء الأردن اتفاقية التبادل التجاري الحرّ من طرف واحد، ومن دون سابق إنذار، فقد قيل الكثير طبعاً عن تعرّض عمّان للضغوط من الرياض وأبو ظبي للابتعاد عن تركيا، خصوصا أن ذلك (الإلغاء) جاء في ذروة صعود الثورة المضادة ضد الثورات العربية الشعبية الأصيلة التي دعمتها أنقرة، وما زالت كما جاء في ذروة الأزمة الخليجية مع وعود سعودية إماراتية بتعويض الأردن ومساعدته اقتصادياً، وهو ما لم يحدث طبعاً، إذ ترك وحيداً أمام أزماته الداخلية المتفاقمة، ثم بلغ السيل الزبى مع تأييد العاصمتين صفقة القرن الأميركية، والضغط على عمّان لقبولها، وحتى تهديده وابتزازه برفع الوصاية على الأماكن المقدسة منه.
ربما تكون الاتفاقية الاقتصادية الجديدة، كما قال السفير التركي في عمّان مسألة وقت فقط،
وستكون معبّرة عن الأجواء الإيجابية الجديدة بين البلدين، وستتلافى أي ثغراتٍ أو عيوبٍ في القديمة، مع الإشارة طبعاً إلى أن تركيا مستعدة للتساهل، وحتى تقديم تنازلات، لإنجاح الاتفاقية وديمومتها، لما لها من انعكاساتٍ على العلاقات بمستوياتها المختلفة الشعبية والرسمية.
عموماً، إلغاء الأردن الاتفاقية الاقتصادية، ثم عودة الدفء إلى العلاقات مع تركيا، مرتبطان مباشرة بالمعطيات السابقة، أي ضغوط الرياض وأبو ظبي عليه، ثم التخلي عنه مع رفضه المضي بعيداً في سياستهم العدائية غير المبرّرة ضد قطر، والانخراط في الحرب السياسية الاقتصادية الإعلامية ضدها، كما تركه وحيداً في مواجهة أزماته الاقتصادية الاجتماعية، وأخيراً تساوق العاصمتين مع السياسة الأميركية الخطيرة في المنطقة تحديداً، في ما يخص "صفقة القرن" الكارثية التي لا يمكن للأردن قبولها أو التساوق معها، لأنها ببساطة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية بثوابتها الرئيسية الثلاث، الدولة واللاجئين والقدس، ما يعني أنه سيتحمل التداعيات السلبية كلها من أمنه واستقراره، وحتى اقتصاده، على الرغم من الوعود بمساعدته.
من هنا، لا يمكن فصل التقارب الجدي والمنطقي مع تركيا عن تسمية عمّان سفيرا جديدا لها في الدوحة، والسعي إلى تمتين العلاقات مع الجانبين، التركي والقطري، على قاعدة المصلحة المشتركة التي لا تتعارض أو تتناقض بل تنسجم جوهرياً مع مصالحه الوطنية والقومية. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الزيارات المفاجئة للملك عبد الله الثاني لأبو ظبي والقاهرة على التوالي. والمرجح أنه سعى إلى القول إنه ليس في وارد الاصطفاف مع محورٍ ضد آخر، لكنه أيضاً جادُّ في مساعيه للحفاظ على مصالحه الوطنية والقواسم المشتركة الكبيرة مع أشقائه العرب والمسلمين، من دون أن ينفي هذا طبعاً أهمية بل ضرورة المضي في سياسة الانفتاح والإصلاح الداخلي سياسياً واقتصادياً، باعتبارها القاعدة الأساس لمواجهة التحديات المعقدة والصعبة التي يواجهها الأردن.