نورييه يفضح أكاذيب إسرائيل: الحقّ فلسطينيٌّ

06 ديسمبر 2019
الصورة
نورييه: للفلسطيني حق يجب أن يسترده (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -
ليست هناك نوايا معلنة أكثر وضوحاَ، بدءاَ من العنوان والعبارة الافتتاحية، ومن دون الانتهاء عندهما. فماذا يقول فيلم يُفتَتَح بعبارة ديفيد بن غوريون: "لو كنتُ زعيماَ عربياَ، لن أوقّع أبداَ على أي اتفاق مع إسرائيل. هذا أمر طبيعي. أخذنا بلدهم، فلماذا عليهم تقبّل ذلك"؟ 

في "الدبابة وشجرة الزيتون، تاريخ آخر لفلسطين"، الوثائقي الجديد للفرنسي رولان نورييه عن القضية الفلسطينية، تتوالى ـ في طرحٍ مُدهشٍ، وتناولٍ مبتكَر، ورؤية جريئة لتاريخ الاحتلال الإسرائيلي ـ الحقائق التي تشير إلى اغتصاب حقٍّ وأرض.

بعد نحو 4 أسابيع على بدء عرضه في "صالة فنّ وتجربة" في باريس، حدثت مفاجآت عديدة، مصدرها نظرة المخرج المؤلّف للصراع. ورغم أنّه اليوم الأخير للعرض، حضر الجمهور إلى هذه الصالة التي تعرض أفلاما "فنية" لا تعرضها صالات عرض تجارية كبرى. فمن أتى لمُشاهدة هذا الفيلم المغاير؟ أهم العرب؟ لا يبدو هذا، فهؤلاء يعرفون "تاريخ فلسطين، من أصله إلى اليوم"، ولعلّهم لا يحتاجون إلى المزيد. الحاضرون فرنسيون، حرّضهم ملخّص الفيلم على التعرّف على هذا التاريخ، "بعيدا عن ما تسميه وسائل الإعلام بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني"، وذلك عبر "إنارة أساسية، تستند إلى عناصر واقعية لا تقبل الجدل، للتخلّص من الكليشيهات والأفكار المسبقة"، وللحصول ربما على إجابات لأسئلتهم عن المسؤول عن هذه "الاشتباكات" التي لا تنتهي.

المسؤول المُشار إليه في الفيلم (وفي الواقع)، ومن دون أي لُبْس، هو واحد لا أحد غيره: إسرائيل، التي اغتصبت وطردت ورحّلت وحاصرت، والمستمرة في تطبيق هذه الأفعال، وفي عمل كلّ ما من شأنه زيادة تدهور الأوضاع. في 100 دقيقة (مدة الفيلم)، تنتظرُ ظهور إسرائيلي واحد يعارض ما يقال، أو يستنكر ويُندِّد، أو يكتفي بالردّ وإيضاح وجهة نظره. لكن، ما من أحد. فالحقّ جليٌّ، لا نقاش فيه. ليس هذا فقط، بل تتردّد في الفيلم أقوال من نوع: مقاومة الفلسطينيين ليست "حقا فحسب" بل "واجبا".




يعتمد الفيلم على الحوار، ولا يعبأ كثيرا بالشكل الفني أو بجودة الصورة. يقوم على سيناريو محكم وكرونولوجي، ويدعو، عبر نظرة نقدية مدعّمة بالوثائق والشرح، إلى تغيير زاوية الرؤية التي ينظر الغربيون عبرها إلى هذا "الخلاف"، فيستضيف كتّابا وحقوقيين وناشطين فلسطينيين وفرنسيين وإسرائيليين، وخبراء دوليين، ومؤرّخين، ودبلوماسيين من الأمم المتحدة، وأخصائيين في القانون الدولي. كما يقدّم، وإنْ بشكلٍ أقلّ، شهادات مواطنين عاديين. يطرح الأسئلة نفسها على الجميع، فتتّفق التحليلات المدهشة بجرأتها على عدم مجاراة الدعاية الصهيونية. تعرض أحيانا، بين إجابة وأخرى، أشرطة أرشيفية مصوّرة، قديمة وحديثة، ورسومات توضيحية مرفقة بسرد وتفسير، تدعم كلّها أقوال المتحدّثين، وتصبّ في اتجاه واحد: هناك اغتصاب لأرضٍ، واستبدال شعب بآخر، وظلم واقع على الفلسطينيين.

يبدأ الفيلم بلمحة تاريخية مكثّفة عن اتفاقية سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور، والحربين العالميتين، ونشوء الحركة الصهيونية. يضع ما حصل لفلسطين في السياق التاريخي للمنطقة، ويخرج باستنتاج واضح تثبته أقوال المؤرّخين، من البداية حتّى الحرب العالمية الثانية، مفاده أنّ "الأوروبيين أرادوا التخلّص من اليهود، فأعطوهم فلسطين". الدولة اليهودية هي إذا نتاج "تلاعب كبير" من دولتين استعماريتين، هما فرنسا وإنكلترا، ومن "عداء شديد للسامية"، كان منتشرا حينها. في الفيلم، يُثبت محلّلون أنّ اليهود كانوا يحلمون حينذاك بالذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية أو أوروبا الشمالية أو الغربية، لكن طلبات التأشيرة كانت تُرْفَض، كما فعلت الدنمارك مثلا. بهذا، "دفع الفلسطينيون، الذين لا ذنب لهم، الثمن عن الأوروبيين".

يؤكّد الفيلم كذلك على أنّ تأسيس الدولة اليهودية لم يكن لأسباب دينية، بل سياسية وجيوسياسية. كما يوضح دور الحركة الصهيونية في هذا المجال، متابعا قرارات الأمم المتحدة، وتقسيم فلسطين، والحروب العربية الإسرائيلية، معطيا للفلسطينيين مبرّرا، ودائما من خلال أقوال المحلّلين، لتركهم منازلهم وأراضيهم، على أساس "الأمل" بعودة سريعة، ومنذ البداية. ويقدّم أدلّة دامغة على تغيير الإسرائيليين جغرافية القرى وأسمائها، لقطع الطريق على أي مُطَالِبٍ بالعودة إلى أمكنةٍ غير موجودة على الخريطة.

يشير الفيلم، كذلك، إلى مشروع فلسطيني مُقدَّم إلى الأمم المتحدة، لكنّ أحدا لا يذكره، يقترح إقامة دولة واحدة تعيش فيها الأديان الـ3. ويكشف كذب المزاعم الإسرائيلية بـ"الخطر الذي يُهدّد إسرائيل من جيرانها"، بعرضه اعترافات مسؤولين إسرائيليين بأنّ الدولة اليهودية هي التي قرّرت الهجوم في حرب 1967.

كما ينتقد، بجرأة نادرة، ما يجري حاليا في فرنسا، بخصوص الربط بين التنديد بأفعال إسرائيل والعداء للسامية. والمخرج لا يريد توازنا يتمثّل بإحضار الطرف الآخر للإدلاء بدلوه، بل يرغب في فتح العيون، وسؤال الضمير الغربي، وكسر الصمت حول موضوع حساس، وتبيان أنّ القضية ليست صراع أديان بل قضية سياسية، وأنّ الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى نظرة تعاطف أو شفقة، كما يتمّ التعامل معه اليوم، بل هو شعب لديه حقّ مشروع، يجب أن يُستردّ. ويركّز على أنّ القضية الفلسطينية كانت ولا تزال جرحا نازفا في الشرق الأوسط، تسبّب به الغرب في الماضي، ويُدفَع ثمنه الآن.

يُذكر أنّ المخرج المؤلّف رولان نورييه عضو في مجلس إدارة "مهرجان الفيلم الفلسطيني في منطقة رون ألب" الفرنسية. يُرجع فهمه للصراع إلى اطلاعه على السينما الفلسطينية، ويقول ـ في حديث إلى موقع "اي سينما" ـ إنّه قام برحلات عديدة إلى فلسطين بين عامي 2014 و2017، والتقى مواطنين، وزار جمعيات إسرائيلية وفلسطينية. هذا أثّر في تحليله ورأيه بخصوص الوضع في الأراضي المحتلة، حيث تعرّف على الحياة اليومية للفلسطينيين، واستمع إلى قصصهم، ولمس صعوبات لا حصر لها يواجهونها بسبب الاحتلال الإسرائيلي، ما سمح له بتكوين رؤية نقدية. وأشار إلى أنّ المخرجة الفلسطينية مي المصري حمّسته على إنجاز فيلم يعرض فيه وجهة نظره، فكان هذا الفيلم عمله الأول.

المساهمون