نهاية "نظرية" وبداية أخرى

07 يناير 2020
الصورة
أيّاً كان ردّ الفعل الإيراني، على المدى القريب أو البعيد، فإنّ ما قام به الرئيس الأميركي، دونالد ترامب (بقتله قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، وهو مفتاح النفوذ الإيراني في المنطقة) أنه أنهى حقبة كاملة، امتدت قرابة عقدين من معادلةٍ نجحت إيران فيها بفرض شروطها، واقعياً، على صيغة العلاقة مع الولايات المتحدة، ما انعكس على صعود النفوذ الإيراني في المنطقة، أو ما أطلق عليه فالي نصر "صحوة الشيعة".
بدأت هذه الحقبة مع أحداث "11 سبتمبر" في العام 2001، والمراجعات الأميركية الحادّة لأسبابها، وكانت النتيجة لدى نخبة معتبرة من المنظّرين الأميركيين ومراكز التفكير أنّ المشكلة الحقيقية هي في الصفقة التاريخية بين الإدارات الأميركية والأنظمة السلطوية العربية، مقايضة المصالح الأميركية بتجاهل الديمقراطية، ما أدّى إلى فشل ذريع سياسي وتنموي واقتصادي عربي، وفرّخ بدوره القاعدة والإرهاب وأحداث "11 سبتمبر" التي كانت صدمتها بغلبة السعوديين على المنفّذين مدعاةً إلى تسليط الضوء على السعودية، وتحميلها مسؤولية الوهابية والسلفية وتصديرهما إلى العالم، وتحوّلت المملكة، بين ليلة وضحاها، من حليف وصديق قريب، لدى الباحثين والمنظّرين، إلى مصدر الإرهاب ومصدّره! بالضرورة، لم تتبنّ الإدارات الأميركية هذه الوصفة علناً، ولا مباشرةً، فثمّة مصالح عميقة مرتبطة بالسعودية، لكنها 
استدخلت هذه النتائج في إعادة تقييم العلاقة مع السعودية.
على الجهة المقابلة، ومن رحم الأحداث نفسها، وُلدت النظرية الجديدة تجاه إيران بدفعٍ من لوبي، بعضه ذو أصول إيرانية، في مراكز التفكير والبحث والجامعات الأميركية، وهي أنّه على الرغم من العداء الاستراتيجي والصراع بين أميركا وإيران، فإنّ "الأقلية الشيعية" والسلوك الإيراني يمكن احتواؤهما والتنسيق معهما، فإنه لا يشكّل خطراً حقيقياً، وليس مثلما هي حال "الأغلبية السنّية" التي تحمل "جرثومة" معادية للولايات المتحدة والغرب. وبُنيت على هذه النظرية استنتاجات كثيرة، منها، على سبيل المثال، أنّ إيران هي دولة واحدة ذات نفوذ في المنطقة، يمكن التعامل معها بمنطق "الصفقة"، فتقوم بضبط إيقاع كل القوى التابعة لها، بينما القوى السّنية مشتّتة متحاربة، والجماعات الإرهابية عابرة للدول.
عزّز احتلال العراق والصمت الإيراني، مع الحلفاء الشيعة في العراق، نظرية التحالف الأميركي- الإيراني، وكسب الطرفان. الأميركيون مرّروا مشروعهم في العراق، وأسقطوا النظام بدعم إيراني وداخلي غير معلن، والإيرانيون والشيعة سيطروا على العراق، وكانت الصفقة الأميركية معهم تقوم على مقايضة الوجود الأميركي بالهيمنة الشيعية، من دون أيّ نظرٍ حقيقي في الأزمة السّنية (التي أدت إلى صعود تنظيم داعش في العراق ثم المنطقة) أو التحوّل الديمقراطي الحقيقي. وعملياً تُركت الساحة لإيران مفتوحة.
عزّزت الحرب على الإرهاب، بداية من العام 2015، التفاهمات الضمنية، غير الرسمية، 
الأميركية - الإيرانية، وفي العراق تحديداً حدثت مفارقة مدهشة، فبينما كانت قوات الحشد المدعومة من إيران، وبقيادةٍ غير رسميةٍ من قاسم سليماني تخوض معارك الموصل (2016 - 2017)، بمساندةٍ فاعلةٍ وحاسمةٍ من سلاح الجو الأميركي، على الرغم من أنّ بعض هذه الفصائل كان مصنّفاً ضمن الجماعات الإرهابية في القوائم الأميركية.
أراد الرئيس الأميركي، باراك أوباما، أن يقنّن النظرية الجديدة تجاه إيران، والتحالفات الواقعية من خلال مفاوضاته مع إيران، وإبرام الاتفاق النووي الذي شمل الدول الكبرى الأخرى (2015)، الذي كان من الممكن أن يُعيد صياغة المنطقة بصورة كاملة، وتكرّس إيران قوّة إقليمية معترفا بها، حتى أنّ دولا أوروبية حينها كانت تتسابق على إقامة جسور وقنواتٍ خلفيةٍ مع إيران، لتحقيق مصالحها الاقتصادية. وأذكر أنّني كنتُ أسمع إطراءً شديداً من مسؤولين أوروبيين على سليماني، بوصفه قائداً أسطورياً إيرانياً، ومحارباً قوياً ضد "داعش"!
بدأ خط البيان العكسي مع وصول الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، معيداً السياسة الأميركية إلى "الصفقة التقليدية" (التحالف مع الأنظمة العربية ومعاداة إيران). على الرغم من ذلك، لم ينعكس هذا الخطاب العدائي الشديد واقعياً، حتى في الاختبارات الكبيرة التي قامت بها إيران للسياسة الأميركية في العراق وسورية وفي الخليج (خصوصا غارة الدرونز على مواقع شركة أرامكو)، والاستمرار في سياسة بناء النفوذ الإيراني استمرت بصورة قوية، وكان هنالك تقدير إيراني بالتفوق والقوة وتقليل من شأن ردود الفعل الأميركية 
في المنطقة.
بالنتيجة، تتجاوز الضربات الصاروخية الأميركية، ومقتل سليماني ومعه قائد حزب الله العراقي، أبو مهدي المهندس، مجرّد ردّ فعل لإعادة صياغة الردع الأميركي، ورسالة أنّ هنالك قواعد جديدة يريد العمّ سامّ تكريسها في المنطقة، فالصواريخ الأميركية مزّقت أيضاً تلك النظرية التي كانت تتحدث عن تحالف استراتيجي أميركي - إيراني في المنطقة.
الآن، أوفى ترامب بجزء من وعوده لحلفائه العرب، ووضعهم أمام البدء بتنفيذ النظرية الأخرى التي يقف وراءها اللوبي الصهيوني، وتدفع نحو صفقة القرن، أو ما يسمى "السلام الإقليمي" الذي يقوم على تحالف أميركي - إسرائيلي - عربي في مواجهة النفوذ الإيراني. ومع التطوّرات الجديدة، يمكن القول التفاهمات "الإيرانية – التركية - الروسية"، التي أرادت استثمار التراجع الأميركي لملء الفراغ.
صحيحٌ أنّ رسالة الضربات الأميركية بالدرجة الأولى هي إعادة صياغة الردع الأميركي، ردّاً على مقتل المتعهد الأميركي في قاعدة في العراق، ثم اقتحام السفارة الأميركية، لكن الأفعال وردود الأفعال التي ستترتب على مقتل سليماني ستقود إلى إعادة تصميم التحالفات وقواعد اللعبة في المنطقة بصورة جوهرية من جديد.
تعليق: