نهار برشلونيّ

17 يوليو 2016
الصورة
سلوى روضة شقير/ لبنان
+ الخط -

سيوتاديّا فجراً. ستّ رجال وامرأتان، مستغرقون في النوم، على مصطبة القصر التاريخي. ببغاوات أرجنتينية تطلق نفيرها من على فروع الشجرة الكبيرة.

حمامة تربض على يد التمثال وتهدل، بينما يُسمع صوت مروق سيارات خفيف من شارع بيكاسّو المحاذي.

يستيقظ أحدهم، ويمشي بضعة أمتار باتجاه الشرق، يتبوّل واقفاً ثم يعود ويحاول. برودة الطقس تسري في عظامه، فيفشل. يفكر بتشوش: أهو ديسمبر الذي لا تجدي معه قطع كرتون ولا حِرام مفرد؟ سأسأل الرفاق عن اسم هذا الشهر كي أتدبّر أمري. يتخدّر وأخيراً ينام.

تستيقظ إحداهنّ، خطوات وتقرفص فتتبوّل وتعود للنوم مضعضعة.

تستيقظ الثانية، وتذهب للصنبور فتشرب كمية وافرة، ثم تهلع من صرخة نورس يدوّم فوقها، فتسقط في مطرحها وتغفو.

يستيقظ الثاني، فيفتح كيس النايلون المركون لصقه، وبقضمتين يتناول سندوتش شرائح الجبنة الصفراء مع المرتديلا. إنه جائع، وهذا النوع من السندوتشات مجرّد كذبة. ينهض وفي الحاوية المواجهة يجد برتقالتين فيأتي عليهما كيفما اتفق، ثم يعود فينام.

يستيقظ الثالث، ويمدّ يده ويكرع من عبوة النبيذ الورقية بحجم لتر، ثم يتكرّع وينام.

يستيقظ الرابع بسبب شيء ثقيل رطب سقط على جفنه الأيسر. يمد أصبعاً ويتحسس، هِهْ. يمسح الذرق بكمّ معطفه، وسرعان ما يغفو.

الخامس يستيقظ، فيجلس ملتمّاً على نفسه، ويحاول استجلاب الدفء بتدخين سيجارة.

السادس يستيقظ، ويرقب زميله المدخن بنصف عين، فيبادره هذا: صباح الخير.
يعمل حاله نائماً فلا يرد. يتهدّل المدخّن وسرعان ما يغفو.

يفتح السادس عينيه على وسعهما ويتأمل المشهد، ثم تحين منه نظرة للشمس البازغة جهة الشرق، حيث البحر القريب، فيستغرب: هاه! إنها تشرق من البحر، بينما هناك تغرب منه.

يسمع شخيراً صادراً عن يساره فيلتفت: من أين جاءت هذه؟ عندما نمت لم ..، ثم ينتبه فيُصدم: بدون لباس! يشيح بنظره ويهوّم: بعد سترى الكثير، فالرواية في أولها يا صاحبي. تنتابه نوبة ضحك فاترة. كان هناك دائماً ما يسأل نفسه: ترى كيف يبدأ النهار في برشلونة؟ إنه يحب أو يكره المدن من طريقة بداية النهار فيها.

يستيقظ الرجل الذي دخن قبل وقت على ضحكاته، فيرمقه بعين لامبالية، ثم يغلقها، ويتقلّب على كرتونته. هو يشعر ببعض الخجل، يصمت ثم يغلق عينيه قليلاً.

الآن يرى من خلال الرموش مزاولات رياضة الإحماء والركض، بلباسهن المقتضب. رجالاً ونساء من مختلف الأعمار، إما يمشون سراعاً مع كلابهم أو يركضون. يرى شيخاً فانياً محني الكتفين وهو يهرول. يفتح عيناً واحدة ويتابعه باندهاش: حتى أنت يا زميل خوسيه! إنه متسوّل ماريا ديل مار.

يفتح العين الأخرى، وبأربع عيون وآذان يلاحق عاملات الحديقة وهن يدفعن ماكينات جزّ الأعشاب، بلباسهن الفسفوري بالأصفر والأخضر. صباح الخير أيتها الجميلات. يشكرنه ويتضاحكن. تمرّ سيارة الشرطة عنهم، متهادية في سيرها دون اكتراث.

ويبدأ نهار آخر.

المساهمون