نازحو مأرب... معارك المدينة لا ترحم أهلها

19 سبتمبر 2020
الصورة
مأساة النزوح تستمرّ في اليمن (محمد حمود/ الأناضول)

احتاجت ثماني أسر يمنية غلى ثلاثة أيام بلياليها للفرار من جحيم المعارك في قريتهم رحوم في مديرية رحبة، إحدى مديريات محافظة مأرب شرقي اليمن، التي وصلت جماعة أنصار الله "الحوثيين" إليها. وبعد رحلة شاقة والسير بين الجبال الوعرة، والتسلل ليلاً خوفاً من رصاص قناصة قد تلاحقهم، وصلت تلك الأسر سالمة إلى مديرية الجوبة، إحدى مديريات محافظة مأرب أيضاً، حاملة ندوباً نفسية وجسدية أشد وطأة من الموت. 
وكما هو حال آلاف المدنيين المهجرّين من منازلهم، اضطرت الأسر الثماني للهرب من قرية رحوم والسير ليلاً نحو مديرية الجوبة المتاخمة التي بالكاد وصلت إليها المعارك، من دون أن تكون في حوزتها أي مؤن غذائية أو مياه للشرب. وبمجرد وصولها، سقط بعض الأطفال أرضاً من شدة الإعياء. 
ويقول ناشط إغاثي في مديرية الجوبة لـ "العربي الجديد"، إن أحد الأطفال الذين نجوا بحياتهم ضمن تلك العائلات الثماني، ويدعى ناصر محمد جُذينه، أصيب بالإغماء وفقد القدرة على الكلام بشكل تام، فيما نُقل ستة أطفال إلى مستشفى 26 سبتمبر في الجوبة. ويتحدث عن مدى حاجة تلك العائلات إلى دعم نفسي من جراء ما شهدته من ويلات، لافتاً إلى أنها ما زالت بلا مأوى.
وبعد اشتداد المعارك خلال الأسابيع الماضية، وخصوصاً في الأطراف الجنوبية لمأرب، باتت نيران قذائف الحوثيين تهدد سكان المحافظة التي تحيطها عشرات مخيمات النازحين الفارين من محافظات الجوف وصنعاء والبيضاء. في أطراف مأرب الجنوبية المتاخمة لمحافظة البيضاء الواقعة جنوب إقليم سبأ الفيدرالي، يفرّ المدنيون من مديرية مشتعلة إلى أخرى.

وقبل التقاط أنفاسهم ظناً منهم بأنهم قد نجوا من الموت، كانت قذائف الحوثيين تلاحقهم كما حصل مع سكّان مديرتي ماهلية ورحبة التي سقطت بأيديهم، ومن بعدها الجوبة التي وصلت المعارك إليها مؤخراً. وتزايدت أعداد الأسر المهجرة من بيوتها مع اشتداد وطأة المعارك يوماً بعد يوم. ولا يُعرف على وجه الدقة إجمالي عدد النازحين في معارك مأرب الأخيرة، وسط اتهامات للمنظمات الإغاثية المحلية والدولية بالتقاعس عن تدخلاتها وتقديم خدمات عاجلة للمتضررين. 
وكشفت المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح أكثر من 2900 أسرة خلال 12 يوماً من الشهر الجاري في مأرب. وقالت  الوحدة التنفيذية الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، في بيان، إن المعارك المستعرة منذ 20 أغسطس/ آب الماضي وحتى 15 سبتمبر/ أيلول الجاري، تسببت بنزوح 4 آلاف و847 أسرة من جراء هجمات الحوثيين في الأطراف الجنوبية والشمالية للمحافظة النفطية. وبحسب التقديرات، فإنّ الأسرة اليمنية الواحدة تتألف من 5 أشخاص على أقل تقدير، ما يعني أن الرقم الفعلي للنازحين خلال أيام قد يتجاوز 30 ألف نسمة. 
وتضم مدينة مأرب عشرات مخيمات النزوح التي يقطنها آلاف الفارين من لهيب المعارك الحوثية في محافظات مختلفة، أبرزها مخيم الجفينة، الذي زاره المبعوث الأممي مارتن غريفيث مطلع مارس/ آذار الماضي، والمصنف كأكبر مخيم نزوح على الإطلاق في اليمن إذ يضم نحو 5 آلاف أسرة. 
ولن يكون مخيم الجفينة في مأمن، خصوصاً وأنه يقع في الجهة الجنوبية من مأرب. ويتخوّف مراقبون من وصول المعارك إلى المخيم، وإجبار آلاف الأسر على النزوح، وخصوصاً أن غالبيتهم يخشون بطش الحوثيين بعد فرارهم من جميع المناطق التي تسيطر عليها الجماعة بدءاً من حجة ونهم والجوف وصولاً إلى البيضاء. 

تضم مأرب عشرات مخيمات النزوح التي يقطنها آلاف الفارين من المعارك


وينظر سكان مخيم الجفينة المتحدرين من محافظات شمالية مختلفة إلى تجمعهم الكبير باعتباره وطنهم الجديد، كما يقول ناشط إعلامي في مأرب لـ "العربي الجديد"، وخصوصاً بعدما قامت الكويت بحفر بئر ارتوازي وخزان لتوزيع المياه ومضخة ومحوّل كهرباء.
وخشية مصير مجهول، أنشأت الأمم المتحدة موقعين جديدين لاستضافة النازحين داخلياً في مديرية مأرب الوادي الآمنة نسبياً، مع تبخر الآمال الدولية في إيقاف المعارك وحماية المدنيين.  
وعجزت الأمم المتحدة مراراً عن كبح توغل الحوثيين في مأرب. والأسبوع الماضي، أعلن المبعوث الأممي لدى اليمن مارتن غريفيث، أمام مجلس الأمن الدولي، أن أهمية السلام "يتجلى بشكل خاص في محافظة مأرب" التي تشهد قتالاً عنيفاً على امتداد خطوطها الأمامية، لافتاً إلى أن ذلك يشكل تهديداً حقيقياً لمئات الآلاف من النازحين والمحتاجين. يضيف أن أي معركة هناك ستدفعهم إلى النزوح بشكل مأساوي مرة أخرى. 
كما أعرب وزراء خارجية ألمانيا والكويت والسويد وبريطانيا، في بيان مشترك، عن قلقهم حيال استمرار هجمات الحوثيين، وقالوا إنها "تعرّض حياة السكان والنازحين هناك لخطر جسيم، وتهدّد بإخراج عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة عن مسارها". 
ويتوقّع أن تتوسّع رقعة الشتات مع اقتراب المعارك من مناطق جديدة محاذية لمركز المدينة معقل المخيمات الكبرى للنازحين، بحسب رئيسة مؤسسة فتيات مأرب المعنية بتمكين المرأة والشباب، المتحدرة من مأرب، ياسمين القاضي. تضيف أن سكان مديريتي رحبة وماهلية أصبحوا جميعاً في تعداد النازحين بعد الاجتياح الحوثي لمناطقهم، وإجبارهم على الفرار باتجاه مديرية الجوبة. وتقول لـ "العربي الجديد" إن المعارك بدأت تنتقل إلى أطراف الجوبة، وتحديدا في حريب وجبل مراد، ما يشكل تهديداً لنازحي ثلاث مديريات سيضطرون للانتقال إلى مركز مدينة مأرب التي تضم أكثر من 90 مخيم. وتشير إلى أن هجوم الحوثيين على تلك المناطق الجبلية الآهلة بالسكان غير مبرر، ولا هدف له سوى تركيع قبائل مأرب، كون مناطقهم لا تمتلك الثروات النفطية والغازية التي تطمح جماعة الحوثيين إلى السيطرة عليها، خصوصاً أن مدينة مأرب التي تحمل اسم العاصمة نفسها هي أقرب لهم من ناحية صرواح. 
وتتهم القاضي الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً بخذلان أبناء القبائل والتآمر مع الحوثيين لتدميرهم وتهجيرهم من منازلهم، خصوصاً في ظل الصمت المطبق على سقوط وتهجير سكان مديريتين بالكامل، لافتة إلى أن الحكومة تتعامل مع مأرب بأنها عاصمة المحافظة فقط، من دون الاكتراث لباقي المديريات الأخرى. 

ويخشى سكان مأرب من عمليات انتقامية من قبل الحوثيين عند اجتياحها مناطق خصومها، من خلال اللجوء إلى نسف منازل أبرز المشايخ والوجوه القبلية التي كانت تقود المعارك ضدها، بهدف كسر هيبتها وسط القبائل، وتوجيه رسائل للقبائل الأخرى بأنهم سيواجهون المصير نفسه. وقد عمدت إلى نسف عدد من المنازل في صرواح وقبلها عمران وإب خلال سنوات الحرب الماضية. 
في المقابل، تؤكد مصادر قبلية موالية للحوثيين لـ "العربي الجديد"، إن الجماعة لم تفجر أي منزل لقبائل مراد حتى الآن، بل قامت بتسليمها لأصحابها بعد السيطرة على رحبة وماهلية، لافتة إلى أن طيران التحالف السعودي الإماراتي هو من قام بقصف عدد من المنازل في رحبة ومحطات وقود ومستودعات تجارية بهدف الانتقام من أبنائها بعد تعاونهم مع الحوثيين. ش