ناجي الذي رسم ليموت

31 اغسطس 2017
الصورة
+ الخط -
"أرسم لأصل إلى فلسطين".. قال ناجي العلي، عندما سئل عن سبب اتجاهه إلى الرسم، لكنه وصل إلى حتفه، بسبب رسوماته، ولم يصل حتى جثمانه إلى فلسطين. بقي مدفونا في لندن، أرض هجرته الغريبة، والبلاد التي سال على أسفلت شوارعها دمه البريء ذات يوم، بفعل فاعل بقي مجهولا حتى الآن، على الرغم من أن ملف الجريمة مازال مفتوحا.
عادت الشرطة البريطانية، قبل يومين، إلى ذلك الملف المفتوح منذ العام 1987، لتطلق نداء دعت فيه أي إنسان لديه معلومات جديدة حول مقتل فنان الكاريكاتير الفلسطيني، ناجي العلي، أن يتواصل معها، لعلها تصل من خلال معلوماته إلى معرفة القاتل، بعد مرور ثلاثة عقود على الجريمة التي أنهت حياة أشهر رسام كاريكاتير عربي.
لكن، ما مدى جدية نداء كهذا؟ تساءل كثيرون، وهل يمكن أن يؤدي النداء الجديد إلى معرفة معلوماتٍ ذات شأن عن الجاني فعلا، بعد كل هذه السنوات التي تغير فيها كل شيء تقريبا؟
يقول رئيس قيادة مكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة البريطانية، دين هايدون، والذي يشرف على القضية، في تصريحات نشرت له إثر إطلاق النداء؛ "اتبعت الشرطة عددا من خيوط التحقيق التي لم تقدنا إلى التعرف على هوية الرجلين، بيد أن الكثير يمكن أن يتغير في ثلاثين عاما.. فالولاءات تتغير، والذين لم يكونوا راغبين في الحديث في ذلك الوقت ربما يكونون الآن مستعدين للتقدم بمعلومات حاسمة".
ويبدو ما قاله الرجل منطقيا جدا، فالولاءات التي يشير إليها لم تتغير وحسب، بل انقلب كثير منها بما يوازي 180 درجة، وما كان يعتبر خيانةً في ذلك الوقت يمكن أن ينظر إليه بعضهم الآن نوعا من الوطنية أو على الاقل وجهة نظر، يمكن تقبل النقاش حولها، والعكس صحيح! وهو المعنى الذي عبرت عنه العبارة الشهيرة: "أخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه الخيانة وجهة نظر". والغريب أن هذه العبارة تنسب إلى ناجي العلي نفسه أحيانا، وأحيانا أخرى إلى غسّان كنفاني وثالثة إلى صلاح خلف (أبو إياد)، ومن المفارقة أن الفلسطينيين الثلاثة استشهدوا اغتيالا قبل أن تتحقق المقولة التي تنسب إليهم. رحمهم القدر، فلم يعيشوا حتى يروا كيف أن الخيانة أصبحت مجرد وجهة نظر. ومن يدري؟ من الممكن جدا أن يأتي اليوم الذي يتباهى فيه القاتل بفعلته على أنها مجرد وجهة نظر، أو على أنها قصاص ضد خائن في انقلابٍ كليّ لمفهوم الخيانة والوطنية، أصبحنا نعايش الكثير من شواهده وصوره.
سننتظر، إن عشنا، لنرى وربما لنروي ونكتب أيضا، فهذا سلاحنا الوحيد، حتى الآن، لمكافحة فكرة الخيانة التي تتنكر بزي وجهة النظر، ولن تكون المهمة جديدة بالنسبة لي أنا على الأقل.
لم يكن قد مضى على التحاقي بالعمل الصحفي في صحيفة الوطن الكويتية، بعد تخرّجي من الجامعة غير شهور، عندما كلفني رئيسي في العمل، آنذاك، أن أكتب عن الذكرى الأولى لاستشهاد ناجي العلي.
يومها، كتبت موضوعا مطولا عن الفنان الذي كنت أجمع رسوماته الكاريكاتيرية المنشورة في صحيفة القبس الكويتية في أثناء دراستي الثانوية، وألصقها في دفتر خاص، أملا في أن ألتقيه يوما وأريه الدفتر ليوقع لي عليه. لكنه ترك الكويت، قبل أن يتحقق أملي.
مقالات كثيرة كتبتها لاحقا عن صاحب حنظلة الذي ربطني القدر به على نحو غريب، عندما وجدت نفسي لاحقا أستخدم مكتبه الخاص الذي تركه وراءه، بعد أن هاجر من الكويت إلى لندن.. وتلك حكاية أخرى، لعلها تستحق أن تروى في سلسلة ما كتبته عنه حتى الآن.

دلالات