ميلاد تعيد ترسيم حدود الجسد الفلسطيني

09 فبراير 2020
الصورة

ميلاد .. حالة أولى في الداخل الفلسطيني المحتل

+ الخط -
ثمّة ظلان أسودان يتحرّكان فوق العقل الفلسطيني لحظة كتابة هذه السطور؛ الأول أسود قاتم، وهو اجتماع فسدة التاريخ والسياسة لتطريز "صفاقة القرن"، والثاني أخضر غض يانع، يسير متصالحًا مع التاريخ والقيم الإنسانية، ويعيد التأكيد الراسخ أن ثمّة شيئا ما على هذه الأرض يستحق الحياة، وتبدأ منه الحياة، وهو لحظة ميلاد ميلاد وليد دقّة.
قبل ساعات قليلة من كتابة هذه السطور، ولدت ميلاد، ابنة الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال، وليد دقّة، أحد عمداء الأسرى، أو كما كانوا يسمّونه في الأسر "الأونكل". ميلاد التي تعيد بولادتها ترسيم حدود الجسد الفلسطيني، في رمزيته وفاعليته وجماعيته، وحتى وجوده المتجاوز. وهو السبب الذي يدعونا إلى تأمل ولادتها، لا لأنها الحالة الأولى في الداخل الفلسطيني المحتل (1948) لـ"أطفال النطف"، ولكن لأنها دليلٌ عتيدٌ وأصيلٌ لتهافت دولة الاحتلال (وأي دولة احتلال) وضعفها. وهو ما يجب ألا ننساه، وبالذات أنه شاهد تاريخي.
بالحديث عن التاريخ، نستذكر الخامس من مارس/ آذار 1981، حين أدلت رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، مارغريت ثاتشر، التي عُرفت بـ"المرأة الحديدية"، بتصريحها بشأن المعتقلين السياسيين الأيرلنديين (الجمهوريين)، قائلةً: لا وجود لما تسمى جريمة سياسية، أو تفجير سياسي أو عنف سياسي، هناك فقط جريمة قتل، عمليات تفجير، وعنف إجرامي، ولن نتنازل في هذا الشأن، إذ لا يوجد ما يمكن تعريفه "وضعًا سياسيًا". .. وبذلك أسقطت الحكومة الإنكليزية عن المعتقلين السياسيين، الأيرلندليين/ صفة "الاعتقال السياسي"، وأسبغت صفة قانونية مغايرة لهم بأن جعلتهم مجرّد معتقلين "جنائيين". الأمر الذي رفضوه، وأعلنوا على إثره إضرابًا متنوعًا ومميزًا، والأهم، مركبًا واستثنائيًا، في وجه سجّانيهم. كان إضرابًا ينبني في أساسه على البؤرة المركزية نفسها التي تنبني عليها فكرة الأسر والاعتقال، والسجن، وهي: الجسد، وموقعه من سياسات الهيمنة والسيطرة والخطاب.
كانت أولى مراحل الإضراب رفض ارتداء ملابس السجـــــن الخاصة بالسجناء الجنائيين، بما هي 
أداة تمييز، وسيطرة على المعنى، فقد أصرّ المعتقلون على البـــــقاء عراةً إلا من منشفة صغيرة على الجزء الأوسط من الجسد، فيما عُرف بـإضراب المنشفة. وبذلك، بات الجسد ليس أداةً لمقاومة القمع المادي الواقع عليه (كالتعذيب والعزل وغيــــــرهما) فحسب، إنما أيضًا جزءًا من البنية المقاومة للسلطـــــة القمعية وخطابها وآليات الترميز وديناميات الدلالة لديها، وتلك كانت أولى مراحل الإضراب.
في المرحلة التالية، والتي عُرفت باسم "الإضراب القذر"، رفض المعتقلون الاستحمام وتنظيف الجسد واستخدام المراحيض، فكانوا يقومون بعملية الإخراج في زنازينهم وعلى حوائطها. وإن كان لنا التأكيد هنا على موقع مؤسسة السجن في الحداثة، كما ينظّر لذلك الفيلسوف الفرنسي، ميشيل فوكو، أمكن لنا تفهم دلالات هذا الفعل، في ترسيم شكل العلاقة الرمزية بين الجسد المعتقل ومؤسسة السجن والدولة؛ إذ يكسر الجسد، بهذا الإضراب، سلطة الاعتقال التي كانت تحدّد من باب الضبط والرقابة مواعيد استخدام المراحيض في ما تعرف بالسيطرة البيولوجية/ الحيوية على الجسد أو "البيوبوليتيكس" (السجينات الإناث كن يلطخن حوائط زنازينهن بدماء دورتهن الشهرية)، وهي الوسيلة التي تستخدمها الحداثة لعقلنة الجسد وفصله عن بهيميته، كما تدّعي، بأن تجعله أكثر قابلية للهيمنة.
تُفصل ماري دوغلاس "خروج المادة عن مكانها في الإدراك ومن السلطة" في الوعي، باعتباره من أشكال الإخلال بالسلطة الانضباطية القائمة على المكان والمادة والإنسان، والعلاقة الانضباطية بينهم، والتي ينتزعها السجن من الإرادة الفردية الحرّة.
في المرحلة الأخيرة من إضراب المعتقلين الأيرلنديين، كان الإضراب عن الطعام والشراب معًا، ولتلك المرحلة أهميتها، فإذا كانت السياسات الحيوية (البيوبوليتيكس) التي تربط بين العلوم الحيوية والسياسة قد تطوّرت، لينبثق منها النيكروبوليتكس (أو سياسات الإحياء والإماتة)، أي قدرة السلطة على منح الحياة و/ أو الموت للأجساد، وهي أحد أوجه الحداثة، وبالذات في أحد أهم موضوعاتها: الدولة الحديثة، واستحواذها على العنف. ولعل السجن هو أحد نماذج ذلك المسار من السياسات الحيوية، فإن هذا الإضراب، في تدرّجه وفي مرحلته الأخيرة، قام على إعطاب السياسات الحيوية والنيكروبوليتيكس للسجان، بأن انتزع للمعتقل الحق في معنى الجسد وضبطه، والأهم حق الموت والحياة، والفاعلية اللازمة لذلك.
بالإشارة إلى الجسد وسياسات الحياة والموت، يمكن القول إن الموت يمثل مسألة اجتماعية أساسية، بسبب قدرته على تحديد إحساس الناس بما هو حقيق وذو معنى، بخصوص أجسادهم والعالم المحيط بهم. بلفظ آخر، الجسد هو تعبيرٌ عن امتداد الذات في الزمن، وقدرتها على التغلب على عدم اكتمال الجسد الإنساني، أي الموت، وأن النسل هو أحد أشكال التغلب على الموت، فما بالنا عندما يكون هذا النسل تواجهه سلطة دولة احتلال واعتقال/ أسر؟. .. هنا تأتي فرادة عملية تهريب النطف للأسرى الفلسطينيين، وميلاد ميلاد.

أستعير هنا من الأسير وليد دقّة نفسه، في كتابه "صهر الوعي"، إشارته إلى إسرائيل التي أدركت أن المشكلة الحقيقية ليست مع القيادة الرسمية والمفاوض الفلسطيني الذي يشرعنه ويعمّده المحتل والعالم الحداثي النيوليبرالي واقتصاده وسياساته و"صفاقاته"، وإنما هي مع الشعب الفلسطيني الذي يرفض سقف الرؤية الإسرائيلية للحل، ويبدي استعداديةً دائمةً للمقاومة. لذا، باتت إعادة صياغة الفلسطيني وفق رؤية الدولة الحداثية الإسرائيلية عبر هندسة وعيه تستلزم إخضاعه، فقط، للنسيج الإسرائيلي، لتفسير واقعه ووجوده، سواء باسم مؤسسات الدولة الحديثة واتفاقياتها أو العالم الدولي، وفي داخل ذلك كله محاولة تطبيع سياسات إسرائيل الحيوية تجاه الجسد الفلسطيني، فإسرائيل التي طمست الجسد الفلسطيني من مكانه (فلسطين) بالنكبة والمذابح والتهجير والأسر، ودمّرت البنى الاجتماعية الزمنية له، لم تستطع أن تمحوه من الزمان والمكان الفلسطينيين، بل حتى لم تستطع أن تمنعه من الامتداد فيهما بالنسل. وبالذات داخل الخط الأخضر، حيث يواجه فلسطينيو/ فلسطينيات الداخل المحتل (وفلسطين كلها محتلة) سياسات الاحتلال في اليومي المعاش لهم/ن، فالأسير وليد نمر دقّة، الأسير الذي أريد له أن يُطمس في غياهب الأسر والاعتقال عقودا، تمكّن من تهريب نطفة من منيه إلى زوجته، لتحمل بها ميلاد، وتلدها قبل ساعات من كتابة هذه السطور، لهو الدليل الحي على تهافت بنية الطمس الإسرائيلية الكولونيالية، بكل سياساتها الحيوية التي لم تفلح في عزل جسد وليد (وغيره) عن زمانه ومكانه الفلسطينيين، بل إن ميلاد، على بساطة الأمر وتعقيده، تكشف تهافت المنظومة الكولونيالية في كل أشكالها، وبالذات السجن والاعتقال في شكلهما المادي المباشر.
لم يكن وليد وحده، فقد فعل ذلك أسرانا في سجون الاحتلال في الضفة الغربية والقطاع الغزّي أيضًا، لترسم أجسادهم وأجساد أطفالهم حدود الجماعية الفلسطينية وجسدها.
شكرًا لظلك علينا يا ميلاد.