ميراث الأردنيات... نساء محرومات من حقوقهنّ

06 ابريل 2019
الصورة
هل من يحفظ لها حقها؟ (أرتور ويداك/ Getty)
+ الخط -

تشكو نساء أردنيات حرمانهنّ من الميراث المستحقّ لهنّ، وذلك على خلفية أسباب مختلفة. أمّا الرابط الوحيد فهو جشع الورثة الذكور وعادات اجتماعية لا تنصف المرأة.

لم تحصل أمّ محمد على حقّها الشرعي في ميراث عائلتها، فهي تنازلت عنه قبل 15 عاماً بعد محاولات ترغيب ناجحة، وحصلت لقاء ذلك على مبلغ مالي متواضع ودعوة إلى الغداء في أحد المطاعم الشهيرة بمحافظة قريبة من العاصمة الأردنية عمّان. تخبر أمّ محمد "العربي الجديد" أنّها حصلت مع شقيقتها على مبلغ 500 دينار أردني (نحو 700 دولار أميركي) بعد إتمام "عملية التخارج" في المحكمة الشرعية، بينما ترى أبناء شقيقها اليوم يتمتعون بالأموال التي جنوها من بيعهم أراضي كانت من حقّها. وتدرك جيّداً أنّ "الأوان قد فات، ووضعي المادي سوف يبقى على حاله. كلّ شيء وُثّق بطريقة رسمية لا غبار على قانونيتها".

قصة أمّ محمد تتشابه مع قصص أردنيات كثيرات، لا سيّما من خارج العاصمة عمّان. ولا يبدو ما خبرته سيئاً جداً بالمقارنة مع حرمان أخريات من الميراث تحت وطأة العنف. وتكشف بيانات مسح (عام 2012) تناول الحقوق المنتهكة للنساء في إربد، أنّ 74 في المائة من نساء إربد، ثاني كبرى محافظات الأردن، لم يحصلنَ على حقوقهنّ في الميراث كاملة، و15 في المائة منهنّ تنازلنَ عن حقّهنّ في الميراث طواعية. يُذكر أنّ المسح من إعداد الصندوق الأردني الهاشمي للتنمية البشرية/ اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، بالتعاون مع الوكالة الكندية للتنمية الدولية "سيدا"، وإشراف مؤسسة "أوكسفام - كيبيك" الكندية.

تقول الناشطة الحقوقية ورئيسة اللجنة القانونية في اتحاد المرأة الأردنية، المحامية هالة عاهد، لـ"العربي الجديد"، إنّ "القانون يعطي المرأة حقّها في الميراث"، مشددة على أنّ "ذلك أمر طبيعي وفق التشريعات الأردنية". لكنّها تلفت إلى "حالات لا تستطيع المرأة فيها اللجوء إلى أيّ إجراء قانوني من أجل الحصول على حقوقها، عندما تتجاوز الموروثات الاجتماعية السائدة على القانون". وتوضح عاهد أنّه "في بعض الأحيان، تنازل الآباء عمّا يملكون من عقارات وأموال لمصلحة أبنائهم الذكور، وبالتالي يحرمون الإناث من حقوقهنّ. في هذه الحالة، تستطيع كلّ امرأة حُرمت من حقّها رفع دعوى للمطالبة به". وتتحدّث عاهد عمّا يُعرَف قانونياً بـ"مرض الموت" كأحد أعراض الأهلية، إذ إنّه ينقص أهلية أداء الشخص المعني المريض، نظراً إلى ضعف ذمّته وتعلق حقوق الغرماء بأمواله وحقوق الورثة كذلك. تضيف أنّه "في هذا السياق، إذا رفعت المرأة المحرومة من الميراث دعوى في خلال عام واحد، فإنّها تحصل على حقوقها، لكنّ المسألة تصير أكثر صعوبة بعد مرور عام كامل، إلا في حال قدّمت أدلّة وبراهين تكشف أنّ عملية التنازل تمّت لحرمانها من حقّها في الميراث، فينصفها القضاء حينها".

وتتابع عاهد أنّ "من أبرز الطرق المتّبعة لحرمان النساء من الميراث إبقاء المال على الشيوع (باسم المتوفي)، أي من دون تقسيم الحقوق وتوزيعها. وهذه الأوضاع تمتدّ عادة على مدى أعوام عدّة. ومنها على سبيل المثال امتلاك عقارات للإيجار، فيعمد الإخوة عادة إلى عدم إعطاء أخواتهم حقوقهنّ. من الممكن رفع دعوى لإزالة الشيوع، لكنّ الأمر يحتاج إلى رسوم مالية، ولا يملك الجميع المال لذلك عند تقسيم الممتلكات".



"التخارج"

وتشير عاهد إلى "التخارج"؛ أي عندما يتصالح الورثة أو أحدهم على إخراج بعضهم من الميراث، في مقابل شيء معلوم من التركة أو غيرها. والتخارج نوعان، الأوّل عام يشمل كامل أعيان التركة، والثاني خاص يتعلق بمال معيّن من موجودات التركة. تضيف أنّ "حقوق المرأة في الميراث تضيع من خلال التخارج، فهي قد تقصد المحكمة للتنازل عن حقوقها بالميراث للأخ أو الأب أو أيّ شخص آخر. للأسف، في هذه الحالة، أي إذا تمّ التخارج أو البيع بسعر منخفض، من غير الممكن الرجوع عن ذلك. هكذا تذهب حقوقها وتعجز عن استرجاعها". وتوضح عاهد أنّ "القانون يمنع تسجيل أيّ تخارج إلا بعد مرور ثلاثة أشهر على وفاة المورّث. فبعد الوفاة، تكون أوضاع الورثة النفسية متأثرة سلباً بما حدث، ويُسجّل في خلال الفترة الأولى بعد الوفاة زهد بالأشياء المادية. فالأعزاء فُقدوا. بالتالي يُصار إلى التنازل عن الحقوق تحت تأثير عاطفي".

وتكمل عاهد أنّ "المسوّغ الشرعي يمنح المرأة حصّة تعادل نصف حصّة الرجل من الميراث، لكن للأسف ثمّة من يحاول حرمان المرأة حتى من هذا النصف، تحت مسوّغات اجتماعية غير مقبولة"، مشدّدة على أنّ "الوعي هو العامل الأكثر أهمية لحصول المرأة على حقوقها، لا سيّما في قضايا الميراث".




"السيادة المزدوجة"

من جهته، يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين محادين لـ"العربي الجديد" إنّه "لا بدّ من التفريق بين الإرث في الشرع والإرث في المفهوم الاجتماعي. ولا شكّ في أنّ الرجل الذي تستحوذ عليه فكرة الذمة المالية المستقلة، ساهم في تقليص نسبة مشاركة المرأة في اتخاذ القرارات من جهة ومن جهة أخرى فرص اتخاذها القرارات الخاصة بها في قضايا كالزواج والعمل والسفر وغيرها". يضيف محادين: "لعلّ العامل الاقتصادي كجذر لهذا السلوك، هو الذي أضعف المرأة وأعطى الرجل السيادة المزدوجة، بالتالي أضعف فكرة أن تكون المرأة صاحبة ذمة مالية مستقلة، فاستأثر الرجل بذمّتها المالية".

ويشير محادين إلى أنّ "أنانية الرجل مرتبطة بأنماط التنشئة في مرحلة الطفولة وكذلك بنظرة المجتمع. وفي بعض الأحيان، يعزّز الرجل ذكوريته تجاه المرأة بالتواطؤ مع رجال آخرين"، موضحاً أنّ "المنظومة الثقافية الاجتماعية هي التي تحدّد مكانة المرأة واتجاه تعامل الرجل معها. ولا يأتي ذلك في اتجاه إنساني نبيل، إنّما بمعنى استئثاري لمصلحة الرجل". ويطالب محادين بـ"تطوير أدوات الخطاب الديني الإسلامي والمسيحي في هذا الإطار"، لافتاً إلى "تغيّر في النظرة إنّما ببطء. فالرجل صار يتزوّج المرأة العاملة المنتجة، كذلك لم يعد يرفض الارتباط بمرأة تعمل في وظائف لم تكن مقبولة في السابق، وأحياناً يسافر برفقتها من منطلق ذكوري، كمحرم، عند حصولها على فرصة عمل في دول أخرى من دون أن يعمل هو".



"تأنيث الفقر"

يفيد التقرير السادس الذي قدّمه الأردن أمام اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة المنبثقة في إطار اتفاقية "سيداو"، في دورتها السادسة والستين المنعقدة في 16 فبراير/ شباط 2017، بأنّ "توريث النساء في التشريع مستمدّ من الشريعة الإسلامية التي تعتمد مبدأ العدالة في توزيع الميراث، لا مبدأ المساواة المطلق، وضمن معادلة متكاملة، فالبنت تأخذ نصف نصيب الابن في حالة واحدة مستقرة، بينما نصيب المرأة من الإرث قد يزيد عن نصيب الرجل في أكثر من ست حالات، كما أن نصيبها يساوي نصيب الرجل في ست حالات أخرى".

في السياق، تربط جمعية معهد تضامن النساء الأردني في تقرير لها ما بين تدنّي مستوى ملكيّة النساء الأردنيات لأصول الأسرة من أراضٍ وشقق وماشية وأدوات وآلات وبين حرمانهنّ من الميراث، ما يؤدّي إلى نتائج سلبية كبيرة على الأمن الغذائي وعلى إمكانية خروجهنّ من دائرة الفقر. وتوضح أنّ التعامل مع النساء كشريكات في عملية التنمية المستدامة وليس ضحايا لها، سوف يعود بالفائدة على الجميع. وتشير الجمعية إلى أنّ مصطلح "الصلح بين الورثة" الذي تشتمل عليه معاملات "التخارج" من شأنه حرمان نساء كثيرات من حصصهنّ كلها أو بعضها بكل الطرق والوسائل كالترغيب والترهيب، وبالتالي يزداد عدد النساء الفقيرات.




وترى الجمعية أنّ حرمان النساء من الميراث، سواء من خلال عمليات تنازل الآباء لأبنائهم الذكور، أو "التخارج" عبر الترغيب، أو ممارسة الضغوطات العائلية والتهديد والإكراه على التنازل عن حقوقهنّ، إلى جانب جهل النساء بحقوقهنّ أو خوفهنّ من المطالبة بها، كلّ ذلك يوسّع دائرة النساء اللواتي لا يملكنَ منازل ولا أراضي، مع ترسيخ ما يُعرف بـ"تأنيث الفقر". من شأن ذلك أن يزيد عدد النساء الفقيرات والمهمّشات وغير القادرات على إعالة أنفسهنّ وأسرهن، ويفقدهنّ القدرة على مواجهة أعباء الحياة ويوقع كثيرات منهنّ في مشكلات قانونية في حين يتمّ استغلالهنّ بمختلف الطرق والوسائل. من هنا تدعو الجمعية إلى زيادة وعي النساء حول حقوقهنّ التي كفلها لهنّ القانون، وتوعية المجتمع حول ضرورة التخلي عن العادات والتقاليد "المسيئة" التي تحرم النساء من حقوقهنّ في الميراث، إلى جانب منحهنّ الفرصة من أجل العمل لضمان مستقبلهنّ الاقتصادي.