مواجهة الوجود الإيراني في سورية: خيارات إسرائيل الصعبة

مواجهة الوجود الإيراني في سورية: خيارات إسرائيل الصعبة

16 نوفمبر 2017
الصورة
تحذيرات من نتائج المواجهة مع إيران وحزب الله(فرانس برس)
+ الخط -
على الرغم من استنفار القيادات السياسية والمستويات العسكرية الإسرائيلية كافة لمحاولة تغيير الاتفاق الروسي الأميركي الأخير المتعلّق بسورية، لا سيما البنود ذات العلاقة بانتشار القوات الإيرانية والمجموعات الطائفية التي تقاتل إلى جانب نظام بشار الأسد، فإن فرص نجاح هذه المحاولة تصل إلى الصفر. فقد ترك تأكيد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الثلاثاء، بأن الوجود الإيراني في سورية "شرعي"، إحباطاً كبيراً في تل أبيب وأحرج بشكل خاص رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي ظلّ يدّعي أنّ التنسيق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يؤتي أكله.

ومما فاقم الإحباط الإسرائيلي بشكل خاص حقيقة أن تصريح لافروف جاء بعد اعتماد نتنياهو، في محاولته للتأثير على الاتفاق الروسي الأميركي، تكتيكاً يجمع بين إطلاق التهديدات بضرب الوجود العسكري لكل من إيران و"حزب الله"، والتحرك دبلوماسياً، وضمن ذلك إرسال رئيس هيئة أركان الجيش غادي إيزنكوت وكبار قادة "لواء الأبحاث" في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، لإطلاع نظرائهم الأميركيين على معلومات استخباراتية تدل على "المخاطر" التي ينطوي عليها التسليم بالوجود الإيراني في سورية. لكن التحدي الذي يواجه إسرائيل يتمثّل في أن سقف مطالبها بشأن الاتفاق لا يمكن لروسيا أن تقبله وليس بمقدور إدارة دونالد ترامب توفير بيئة تسمح بتحقيقه. فكما كشفت القناة الإسرائيلية الثانية، مساء الثلاثاء، فإن إسرائيل غير مستعدة لقبول أي وجود عسكري لإيران و"حزب الله" في أي مكان في سورية، وبالتالي فإن توافق الروس مع الأميركيين على انتشار الإيرانيين ومقاتلي "حزب الله" على مسافة 40 كيلومتراً من الحدود مع فلسطين المحتلة لا يلبي مصالحها. وتحاجج إسرائيل بأن امتلاك طهران ترسانة ضخمة من الصواريخ النوعية يجعل التسليم بالوجود العسكري الإيراني على أية بقعة من سورية وصفة لجعل كل المرافق الحيوية والمنشآت العسكرية والتجمعات المدنية الإسرائيلية في دائرة الاستهداف الإيراني.

لكن فرص نجاح التحركات الإسرائيلية في التأثير على الاتفاق الروسي الأميركي تبدو محدودة، لأنها تتعارض بشكل فجّ مع المصالح الاستراتيجية لروسيا، وهي الطرف الأكثر تأثيراً على دائرة الأحداث في سورية. وإن كان لا خلاف على أن الحفاظ على نظام الأسد يعدّ الهدف الأهم بالنسبة لها، فإن روسيا تدرك أنه لا يمكن تأمين تحقيق هذا الهدف بدون الوجود العسكري البري لإيران و"حزب الله". فاستقرار نظام الأسد يتطلب دوماً وجود قوات برية بحجم كاف يسمح بالتحرك في مختلف مناطق سورية، في حين أن هذا النظام لا يملك الحجم الكافي من القوات البرية. وفي الوقت ذاته، فإن الغطاء الجوي هو أكثر ما يمكن أن تقدّمه روسيا، التي لا تبدو متحمسة لإرسال قوات برية.

من ناحية ثانية، فإن تل أبيب تدرك أن الرهان على إدارة ترامب في غير محله، إذ إن موافقة واشنطن على العودة للتنسيق مع موسكو والذي أسفر عن الاتفاق الأخير، يعكس تسليماً أميركياً بأن روسيا هي الطرف الذي يملي وتيرة الأحداث في سورية. وقد تبيّن للإسرائيليين أن ترامب عاجز حتى عن مواصلة اعتماد استراتيجية "القيادة من الخلف" التي بلورها سلفه باراك أوباما في التعاطي مع شؤون المنطقة، لا سيما بعد تفجّر الأزمة الخليجية وتهاوي فرص تشكيل جبهة إقليمية مناوئة للوجود الإيراني في سورية بقيادة الولايات المتحدة. فحلفاء واشنطن في المنطقة يتبنون مواقف متباينة من الوجود الإيراني في سورية.

وتعي تل أبيب أنه على الرغم من حجم التنسيق الوثيق والشراكة الكبيرة مع نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فإن القاهرة لا ترى في الوجود الإيراني في سورية تهديداً. وفي الوقت ذاته، فإن إسرائيل تعي محدودية الرهان على التنسيق مع الدول الخليجية بشأن هذا الوجود. وقد دفعت مخاوف السعودية من مآلات الاعتماد على إدارة ترامب، الملك سلمان بن عبد العزيز للتوجه إلى موسكو، صاحبة المصلحة الرئيسية في الحفاظ على الوجود العسكري الإيراني في سورية.

لكن إسرائيل لا تواجه فقط أزمة خيارات دبلوماسية وسياسية في محاولتها للتأثير على وجود إيران و"حزب الله"، بل الأخطر من ذلك أنها لا تملك في الواقع خياراً عسكرياً جدياً في التعاطي مع هذا التحدي. فعلى الرغم من توسّع نتنياهو ووزير حربه أفيغدور ليبرمان في إطلاق التهديدات باستهداف وجود إيران و"حزب الله"، فقد تبارى كبار قادة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وبشكل غير مسبوق، في التحذير من "النتائج الكارثية" لأية مواجهة مع إيران و"حزب الله"، سواء في سورية أو لبنان. وقد توالت شهادات كبار المسؤولين الإسرائيليين التي تؤكد عدم جاهزية الجبهة الداخلية الإسرائيلية لنشوب حرب مع "حزب الله"، على وجه الخصوص.

ونقلت صحيفة "معاريف"، أمس الأربعاء، تحذيرات أطلقها ثلاثة من كبار المسؤولين السابقين في مجمع صناعة الدفاعات الإسرائيلية (رفائيل)، والذين حذروا من "مأساة" ستحلّ في شمال إسرائيل في حال تعرّض مجمّع الصناعات البتروكيميائية في حيفا للقصف نتيجة مواجهة مع "حزب الله". فحسب المسؤولين الثلاثة، وهم: نفتالي عميت وآفي فينرب وشيكا شتسربغر، وجميعهم من الخبراء في مجال الصواريخ، فإن إسرائيل ستضطر إلى إجلاء نصف مليون إسرائيلي من الشمال. وأكّد المسؤولون الثلاثة أنّ منظومات الدفاعات الجوية الأكثر تطوراً التي تملكها إسرائيل "ستنهار ولن تتمكن من منع النتائج الكارثية" التي ستحلّ بإسرائيل جراء صواريخ "حزب الله" التي ستصيب المرافق الحساسة في إسرائيل.

من هنا، لم يكن من المستهجن أن يحث الخبير العسكري الإسرائيلي ران إيدليست صنّاع القرار في تل أبيب على تغيير نمط تعاطيهم مع الوجود العسكري لإيران و"حزب الله" في سورية. ففي مقال نشرته "معاريف" أيضاً، أمس الأربعاء، يجزم إيدليست بأن السبيل الوحيد "لإحباط فرص تحقق سيناريوهات الرعب الناجمة عن مواجهة مع حزب الله وإيران تتمثّل في التوصّل لاتفاق وقف إطلاق نار مع كل من نظام الأسد وإيران وحزب الله". لكن إيدليست يستدرك قائلاً إن نتنياهو "لن يقدم على مثل هذه الخطوة لأنها ستدل على فشل الاستراتيجية التي اعتمدها في مواجهة الوجود الإيراني في سورية".

المساهمون