مهرجان الأذواق الغائبة

07 يونيو 2014
تختلّ الكفة بين مغرب الثقافات ومغرب المعاناة التي يكتوي بنارها المواطن المغربي، ونكون أسخياء مع الضيوف في مغرب "الثقافات"، وفي الكوكب الآخر، من البلد نفسه، نكرم المواطن في مغرب "المعاناة" بإقامات في الكاريانات ودور الصفيح، وإن كان من المقربين، وقبلت لوبيات المال أن تنعم عليه، يرخص له في أخذ قرض بنكي، يخوّله أن يقطن في إقامات الموت الاقتصادي البطيء، وتجعل له عملاً في شركات عابرة للقوميات، تسلب من الفرد كل حقوقه وإنسانيته، وتجعله عبداً طيعاً لا يستطيع أن يتفوه بكلمة، وتصبح ممارسته لفعل العيش من أجل توفير اقتطاعات القرض البنكي أولوية الأولويات.
يحتفي مهرجان موازين بالأغنية العالمية، وأصبح ينافس كبريات المهرجانات، باحتلاله المركز الثاني في العالم، وينفق عليه المغرب أموالاً طائلة، من أجل بقائه في هذه المرتبة "المشرفة". في الاتجاه نفسه، يجري العمل بجهد حثيث على الرفع من ميزانية المهرجان، سنة بعد أخرى، بالبحث عن كبريات الشركات المستثمرة في البلاد، وعن شركات راعية جديدة، وعوائد الإشهار (الإعلان) والضغط على الشركات الوطنية شبه العمومية والخاصة، للرفع من ميزانية الدعم، واستغلال شخصيات قريبة من المربع الملكي، للضغط على هذه الشركات، للإنفاق أكثر على المهرجان.
في المقابل، نجد أن مغرب المعاناة أصبح ينافس، من أجل تبوّء المراتب الأولى عالمياً، للشعب الذي لا يحرك صامتاً أمام توالي التضخم والزيادات، والذي أصبح وزراؤه لا يتوانون عن الزيادة في أي مجال، للتستر على نهبهم الميزانيات وأموال الصناديق الخاصة. فحتى حليب الأطفال لم يسلم من الزيادة كذلك، وفي البلد نفسه، ما إن يسدل الستار عن واحد، حتى يبدأ مهرجان آخر.
قال محمد منير الماجيدي، رئيس جمعية "مغرب الثقافات" ورئيس مهرجان "موازين .. إيقاعات العالم"، في كلمته الافتتاحية للمهرجان إن "موازين" في نسخته الثالثة عشرة أصبح "مهرجان كل الأذواق في المغرب". أذكّره بأذواق كل المغاربة، ويعرفها الماجيدي ولم يتكلم عنها، إنها أذواق العذاب المسلطة على المواطنين الغلابة في دور الصفيح، وودعت، قبل أيام، طفلة بعدما قررت وضع حد لحياتها، من كثرة نعتها ببنت الكاريان من زميلاتها. شهيدة الكاريان كان الأولى أن تكون شعار الجمعية لهذه السنة، وتجمع الهبات والتبرعات من كبريات الشركات، لإنقاذ الأطفال من براثن الكاريانات، وإنشاء دور للشباب ومسارح ومدارس ومعاهد الموسيقى والسينما.
الأذواق التي تحدث عنها الماجيدي لا يعرفها غالبية الشعب، القابع في أعالي الجبال، ولا يحصل حتى على مصباح، ليضيء به الكهف الذي يقطن فيه، ويذوق العيش في درجات حرارة منخفضة، تحت الصفر أياماً طويلة من دون مأوى أو مأكل أو مشرب، ولا يعرف سبيلاً إلى رؤية التلفاز، أناس يعرفون ذوق العذاب في العيش في ظروف جغرافية قاسية، وغياب كلي للمستشفيات والمستوصفات والمدارس، وإن وجدت فخاويةً بدون طواقم للعمل. أذواق المغاربة المرة هي التي يعيشها سكان القرى المحيطة بـ"إميضر"، أغنى منجم للفضة في أفريقيا، وعلى الرغم من ذلك، فهم يصنفون ضمن المغاربة الأكثر فقراً.
كيف لمهرجان يستطيع جمع ملايين الدولارات، ويجيش الآلاف من رجال ونساء الأمن، وسيارات إسعاف وطواقم طبية مجندة في منصات العرض في العاصمة الرباط وسلا، وينقل عبر قنوات التلفزيون العمومي المهرجان، ويستأسد بالحصة الكبرى في برامجها، إلى درجة لا ترى في القنوات إلا إعلانات لموازين ولقاءات حصرية متابعة لموازين، ونشرة أخبار تواكب السهرات، وتثمن عمل رجال الامن وباقي المتدخلين في موازين.
مهرجان موازين يُحتفي فوق منصاته بزواج غير شرعي بين السلطة والمال، منذ سنة 2006، عندما كانت الجمعية في ضائقة مالية، ثم ترتفع ميزانية المهرجان بشكل كبير جدا، ما يجعلنا نطرح عدة أسئلة عن جدلية السياسي والثقافي، وعلاقة المال بالمهرجانات.
أصبح المشهد الثقافي يعج بالملتقيات والمهرجانات، إلى درجة يصعب تذكرها، ما ميّع المشهد، وجعله في شباك سماسرة انتهازيين، يفضلون العمل لأجندات خارجة عن نطاق الثقافة، ولا يكثر تواً إلا بحجم العائدات التي سيجنيها. ظرفية جعلت من المهرجانات سلعة تباع لمن يدفع أكثر، بعيداً عن قيم التسامح والأخلاق والانفتاح، ما جعل الذوق المغربي مغيّباً في المهرجانات المغربية، تحت وطأة الاستلاب الثقافي والغزو المعولم.

 

FF4B04B3-CB72-4AE3-8C0D-56C7195A3587
يوسف أريدال (المغرب)