بقايا وطن

29 نوفمبر 2014
+ الخط -

صور ومشاهد السيول تجرف معها الشاحنات والسيارات، وكل ما تجده أمامها، وصور أناس لا يظهر منهم سوى الرؤوس، وهم يمرون سريعاً من أمام عدسات الهواتف، تجرهم سيول ساعات قليلة من هطول الأمطار، مشاهد لا تنسى من بقايا وطن دفن يوم دفن هؤلاء الشهداء وهم في موكبهم الجنائزي، محملين في شاحنات مخصصة للأزبال. دفن ذاك الوطن في ذاك المغرب العميق، دفن يوم دفن ذاك المواطن الذي عذب في صغره، وهو يقطع كيلومترات حافي القدمين، ليصل إلى المدرسة التي لا تتوفر سوى على حجرة مهترئة، بها أربع حيطان وسقف تتدلى من بطنه قضبان فولاذية صدئة، وبقايا نافذة وباب لم يسعفه الحظ أن يشهد لحظة واحدة، بعد أن اقتلع من مكانه، ليحمي عائلة من قساوة ليال باردة.
دفن يوم كبر ولم يجد منبت الأحرار سوى شعار طالما ردده بحرقة، أملا في غد يعوض له عن ضنك الماضي، دفن الوطن يوم وجد ذاك المواطن أن حقوق الإنسان من حكايات ألف ليلة وليلة، تحكى في الفنادق والصالونات المخملية، وتدون في مجلدات ودواوين وتقدم للسلاطين قرابين لآلهة المال والأعمال، تقربا وتزلفا. دفن الوطن يوم تخلى عن فلذات أكباده، وهم يصرخون بين فكي الأسماك في المتوسط، طمعا في بلد ينسى اغتصابهم الوحشي في كل مناحي الحياة، ودفن في حفلات تهشيم عظام دكاترته، بالقرب من باب السفراء، ودفن يوم ينزع من المواطن مورد عيشه، بدعوى الحفاظ على رونق المدينة، وطرد من يحتل سنتيمترات من الشارع العام لإعالة أسر شردت.
دفن الوطن يوم قرر وضع تحت تصرف الأحزاب السياسية في سنة 2015، ميزانية تصل إلى 800 مليون سنتيم، دعماً سنوياً تساهم به الدولة، ضمن تغطية مصاريف التسيير وتنظيم المؤتمرات الوطنية العادية، و730 مليون سنتيم لأذرع الأحزاب الموجوة في البرلمان، ولم تنس دولتنا العزيزة فقر برلمانييها. وفي المقابل، التقشف في ميزانيات الاستثمار، دفن الوطن بدفن ذاك المواطن غير المعترف به سوى أيام الحملات الانتخابية، وفي الإحصاء من أجل تسجيله رقمأً في لائحة منسية، تجلب لهم القروض الوفيرة وخطوط ائتمان ورضى الدول الاستعمارية.
ضاع الوطن مع سقوط تلك القنطرة، التي لم تدم صلاحيتها سوى أربعة أشهر، وضاع الوطن مع خراب الطرق، التي تركها لنا المستعمر، ودمرتها لامبالاة المسؤولين، وضاع بتبخير البنية التحية. وضاع الوطن في رجال ونساء شرفاء، قدموا وقدمن هدايا إلى الطبيعة.

وطن مات بكثرة الطعنات الغادرة ووري الثرى في مقبرة المنسيين، بعد أن تكفلوا بمراسيم دفن جثمانه، ومآثم عزائه. لكن أملنا كبير في صحوته وإخبارنا بأنه أصيب فقط بسكتة قلبية، أثرت على وظائفه جزئيا، ولم يمت، وسيعود إلى سابق عهده إن هو اتبع خطوات كنس الفساد وناشد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإلى ذاك الحين تصبحون على وطن.

FF4B04B3-CB72-4AE3-8C0D-56C7195A3587
يوسف أريدال (المغرب)