ملح إيبيريا وفلفلها

02 اغسطس 2016
الصورة
(ساغرادا فاميليا، برشلونة، تصوير: فرانسيس جوزيف دين)
+ الخط -

عجيبة الصدف: سكنت "باي دي برون" سنة ونصف، بجوار المشفى الذي شهد آخر أنفاس روبرتيو بولانيو. ثم انتقلت إلى منطقة "سارّيّا" القريبة، في بيت للاجئين، غير بعيد عن العمارة التي أمضى فيها غابرييل غارثيا ماركيز شطراً من حياته.

باي دي برون شهدت رحيل الأول شاباً، بينما سارّيّا واكبت الثاني في أوج عمره وعطائه. وندرة من سكان المنطقتين من يعرف المعلومة. روائيان مرّا من هنا وهناك، واحد إلى مصيره، والثاني إلى نوبل واحتفاء العالم.

طبعاً لم يكتب الأول شيئاً ـ ربما ـ في رقدته الأخيرة، بينما كتب الثاني خمساً من قصصه القصيرة ورواية كاملة في سارّيّا. ولقد حاولت أن أستقصي عما كتباه بخصوص المنطقتيْن، دون بارقة نجاح.

الأمكنة لا تحتفظ بروائح عابريها، عادةً. وإذا لم يكتبها عابروها، ويحتفظون هم بروائحها، فهي أيضاً مثلهم تغيب.

وعلى حد علمي، لم يكتب ماركيز شيئاً مخصوصاً لسارّيّا الراقية أو عنها. ومثله فعل بولانيو مع حيّ "الرابال" الشعبي الذي سكنه سنوات وكتب فيه روايته الأشهر.

عموماً، فإن لبرشلونة مع أدباء أميركا اللاتينية، لَقِصصاً تُحكى. فعشرات من أعلامهم أقاموا فيها، سنوات تقصر أو تطول. ويحضرني الآن آخر من رحل: غاليانو. ذلك أن المدينة ما زالت وستبقى على وشيجة عضوية مع القارة. ليس فقط على صعيد الثقافة وصناعة النشر، إنما كذلك على صعيد الناس العاديين، حيث ظلت تاريخياً مفتوحة ـ بهذا المقدار أو ذاك ـ قُدّام مئات الألوف منهم. حتى يمكن القول ببساطة، إنّ لاتينيي القارة هم ملمح مركزي من ملامحها. كان هذا في الماضي، ولم يزل وسوف يستمر.

وشخصياً لا أتصورّ برشلونة ـ مجرد تصوّر ـ بدون لاتينيين. فهم بعض طعمها وبعض رائحتها. بل هم، لأسباب لا تخفى على المتابع، بعض طعم إسبانيا الإيبيرية، وبعض رائحتها.
وما يقال عن الأخيرة، يقال كذلك عن البرتغال.

شبه الجزيرة الإيبيرية التي استنزفتهم قروناً، هي اليوم، في كثير من وجوهها، صناعة لاتينية. أهذا ما أطلق عليه فيلسوف ما مصطلح "مكر التاريخ"؟

إنّ قلبي ليستبشر وفي أحايين يرفّ كلما رأى أفريقياً أو لاتينياً في المدينة. لأنّ هؤلاء وهؤلاء هم الأقرب إليه. لا يعني ذلك أنه لا يميل للإيبيريين إجمالاً، ويفضّلهم على غيرهم من الأوروبيين، لما يتمتعون به من مناقب عالية. بل يعني فقط أن القلب ينحاز أكثر لمن يشبهونه في ألمهم وأملهم وما بينهما من جهد وطموح. وقد قيل وهو حق: "ظل الغريب على الغريب عباءة".

لقد أحببت الأدب اللاتيني وفضّلته على غيره قبل مجيئي إلى شبه الجزيرة. واليوم، بعد أربع سنوات، وبعد غير قليل من القصص الشخصية، أُحبّ ناس هذه القارة، بسطاء كانوا أم مثقفين، لأنهم ملح الأرض.

أما الأفارقة، الذين يحرّضون نشيد الأعماق ويركّبون له ألف جناح، فهم فلفلها. لا طعم لإيبيريا بلا ملح وفلفل.


المساهمون