مكاسب تونسية

14 سبتمبر 2015
الصورة
مسيرات في تونس ضد مشروع قانون المصالحة الاقتصاديّة
+ الخط -
بعد كل الجدل الذي أثارته، والخلافات التي سيطرت على كل اهتمامات التونسيين لمدة أسبوعين، انعقدت يوم السبت مسيرة المعارضة ومرت بسلام، ولم يحدث اعتداء أو مكروه، وكانت الخطوط الفاصلة بين الأمنيين والمتظاهرين سلسة وحريرية حتى خلنا أن الجميع يتظاهر معاً. الغريب أن الأمر جرى بيسر فاجأ الجميع بعد التخوفات الكبيرة التي سبقت هذه "المواجهة اللطيفة"، إثر إصرار الحكومة على منعها وتمسك المعارضة بإنجازها ولو أدى الأمر إلى السجون.

استمر هذا الجدل حتى مساء الجمعة، وحبس التونسيون أنفاسهم استعداداً لـ "المعركة" التي لم تحصل. تظاهر المعارضون ورفعوا شعاراتهم المناهضة لقانون المصالحة المالية الذي اقترحته الرئاسة، ثم عادوا إلى بيوتهم، وعاد الأمنيون إلى ثكناتهم، وانصرف التونسيون إلى صفحات فيسبوك، ليستعد الجميع للمعركة المقبلة. استمر الجدل طويلا وأحياناً مملاً، بفعل تكرار الأفكار نفسها من هذا الطرف وذاك. وبعدما خلنا أن الأمور سائرة إلى ما لا تُحمد عقباه، التقى المعارضون بالحكومة، في آخر يوم قبل المواجهة، وتوافقوا، ومرت الأمور بسلام، ويبدو أنها أصبحت عادة تونسية، أن يظل الاختلاف والاستنزاف الى آخر الآجال المحددة، ثم يلجأ الجميع إلى طاولة الوفاق وينتهي الأمر بسلام.

ما دام الأمر يحصل دائماً بهذا الشكل، فلماذا يصدعون رؤوس التونسيين الغلابة، ولسان حال هؤلاء "اتفقوا وأريحونا أراحكم الله". لكن هذا لن يحدث طبعاً لأنها قاعدة السياسة وحق الجميع في أن يربح من معركته شيئاً، والمهم أن التونسيين قد كسبوا من هذه المعركة الأخيرة شيئاً بالغ الأهمية، وهو إصرارهم على موقفهم مهما كلّف الأمر، وهو مكسب ليس بالقليل، لأنه أغلى ما كسبه التونسيون من ثورتهم.

سينصرف الجميع الآن إلى حسابات السبت، وسيتساءلون في الحجرات الخلفية: هل نجحت المعارضة في نزولها الى الشارع؟ ما هو صدى هذه المعارضة وتأثيرها على التونسيين؟ لكن كل ذلك يبقى في نهاية الأمر ثانوياً أمام المكسب الكبير: حرية التعبير.

المساهمون