مكاسب ترامب من اغتيال سليماني

15 يناير 2020
+ الخط -
حدث ما كان يجب أن يحدث أو ما كان مخططا له، ضربة إيرانية ضد قواعد أميركية في العراق محدودة جدا، وهي أقرب لرسالة للداخل الإيراني وللصفقة السياسية التي تمهد الطريق للعودة إلى ما قبل خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. صفقة كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرابح الأكبر فيها بلا شك، ونجح فيما يريد بامتياز.

فعلى المستوى الداخلي الجميع كان يعلم أن ترامب قاب قوسين أو أدنى من العزل السياسي بسبب فضيحة الانتخابات الأوكرانية، وإلى جانب بيلوسي ورفقائها من النواب الذين أزعجوا ترامب كثيرا، كان آخر استطلاع رأي أجرته شبكة رويترز يشير إلى أن غالبية الأميركيين يرغبون في عزل ترامب، ولم يكن هناك حديث في الشارع الأميركي إلا عن عزل ترامب، وربما جاء اغتيال سليماني ليغطي على الموضوع ويظهر بمثابة البطل الذي أعاد للولايات المتحدة هيبتها في الشرق الأوسط وقطع اليد التي امتدت على السفارة والمصالح الأميركية في العراق، ولا شك في أن شعبية ترامب قد زادت بعد اغتيال سليماني ونجاحه في إحراج نظام إيران.

أما على المستوى الخارجي فقد وجه ترامب أكبر ضربة قاصمة لـ"الإمبراطورية" التي أنشأها قاسم سليماني في المنطقة وحد من نفوذها بمقتل الرجل، فسليماني هو الرجل الثاني في إيران والأول خارجيا، وهو العقل المدبر لكل المليشيات في العراق وسورية واليمن ولبنان، وخسارته ثقيلة جدا لا تعوض.


نجح ترامب في إظهار ضعف قوة النفوذ الإيراني في المنطقة مقارنة بالنفوذ الأميركي، فقد كانت رسالة واضحة أن للشرق الأوسط ملكا واحدا هو الولايات المتحدة، فهي تحارب متى تشاء وتمد يدها للسلام متى شاءت، وقد كان ذلك واضحا في خطاب الرجل الأخير.. كما أعاد ترامب بسماحه لإيران بضرب قواعده في العراق دون العقاب الشديد، إلى نقطة الحوار حول الاتفاق النووي.

فبدت الضربة الأخيرة تفوح منها رائحة الصفقة السياسية أكثر من رائحة الانتقام، وهو ما تؤكده صحيفة الإندبندت وفق مسؤولين أميركيين، وما أكده تصريح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حين أعلن أثناء الهجمات أن إيران لا تريد التصعيد وأن الأمر قد انتهى.

نجح ترامب باعتماده على سياسة الكيل بمكيالين فبدا مصعداً في اللحظات الأولى قبل دفن سليماني والجميع يعلم الحالة النفسية لأهل الفقيد قبل دفنه، فكانت تغريدات ترامب حاضرة لتضغط على نظام إيران وتظهر مدى تأثره بضربة سليماني.

وفي نفس الوقت كانت الوفود الخليجية تحت علم أميركي تصل إلى طهران وتخفف من حدة الأزمة والصدمة وتعرض حفظ ماء وجه إيران مقابل عدم التصعيد.. كما أظهرت الأزمة ضعف الماكينة الإعلامية الإيرانية في زمن الإعلام، فبدا إعلام طهران يتبع سياسة البروباغندا الإعلامية أيام الحرب العالمية الثانية حين استخدمت الصور الكاذبة والأرقام الكاذبة لأعداد الضحايا في صفوف العدو..

فبدا إعلام طهران مصرّاً على سقوط الضحايا في صفوف الأميركيين دون صور أو فيديوهات توثق ذلك، وهو ما ينافيه الواقع، فلغة خطاب الأميركيين بعد الواقعة كانت تنبئ بأن واشنطن في وضع جيد ولا خسائر في الأرواح، بل بدا خطاب ترامب خطاب المنتصر الذي يفرض شروطه على خصمه.

كما أن لغة التهديد والوعيد والحرب الإعلامية والصور المفبركة والمانشيتات العريضة في عصر السوشال ميديا لم تعد تؤتي أكلها، فقد ماتت أساليب تشرشل بموته، ولو كان فيسبوك وتويتر موجودين في أيامها لفشلت تلك الأساليب.

لم يكن ترامب لوحده المستفيد من مسلسل اغتيال سليماني، فقد بدا الكيان الصهيوني وعلى رأسه نتنياهو، الذي تنفس الصعداء وهو في وضع لا يحسد عليه، منتشيا، وسارعت الصحف العبرية إلى القول بأن العملية من تخطيط جهاز المخابرات الإسرائيلي، وهو أمر يحسب سياسيا لنتنياهو الذي نجح في القضاء على عدو لإسرائيل، وضرب من يدعي عداوتها وصانع أسلحة مقاومتها قاسم سليماني، وقد عرف عن الرجل أنه العقل المدبر للقوة الصاروخية للفصائل الفلسطينية.

الأمر كله مرتبط بعضه ببعض، ترامب ونتنياهو ربحا الجولة سياسيا وأمنيا وربما شعبيا، وإيران خسرت سليماني وقوتها العسكرية في المنطقة، وقد تخسر سياسيا لو عاندت أو تهورت.