مقارنة في غير محلها

27 يوليو 2020

سلوكي الطريق الدولي الذي يصل بين (فيينا وبرلين) أثناء زيارتي إلى ألمانية الاتحادية، -ولقائي عددا من الأصدقاء السوريين، لاجئين وغيرهم، ممن دفعت بهم ظروفهم الحياتية القاسية إلى العيش هناك، والعمل في أماكن كانوا يحلمون بها يوماً، وتعايشوا بحزم مع القوانين والقرارات الصادرة والتزامهم بها-، كانت لافتة للنظر وتستحق الوقوف عليها، مقارنة مع ما هو قائم لجهة تنفيذ الطرق المحلية والمركزية في سورية التي ما زالت تشغل بطرق بدائية، ما يستوجب إعادة النظر في تنفيذها بسوية عالية بدلاً من إهمالها وتهميشها.

اللافت، أنَّ الطريق الدولي الذي يربط النمسا بألمانيا فيه من الاهتمام ما يكفي، من جمالية اليافطات التي تنتشر على يمين ويسار الطريق، إلى تخطيط المنصفات وأطراف الطريق، ناهيك بالنظافة المتميّزة، وغيرها ما يلفت نظر (الزائر - السائح) الذي يرغب بالسفر براً، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على مدى الاهتمام الحكومي، ورصد المبالغ المالية الذي توفّره أمثال هذه الحكومات الناجحة في سبيل إنشاء وتحديث شبكة الطرق الدولية لأجل وضعها في خدمة الناس وإسعادهم وتقديم الخدمة المثلى لهم..

وإذا ما قارنا ذلك مع ما هو متوافر من طرق محلية ومركزية في سورية، فإنَّ الفارق لا شك كبير وكبير جداً، لا سيما أنَّ هناك اختلافا في شكلها وفي هيكليتها، وينسحب ذلك على شبكة الجسور أيضاً التي كثيرا ما تتغنّى وتفاخر الحكومة بإنجازها، وتغدق عليها مئات الملايين من الليرات السورية.

فالحكومات المتعاقبة لدينا، والوزارات والمؤسسات والشركات العامّة، التي تتبع القطاع الحكومي لا همّ لها ولا هدف سوى العمل على ابتزاز الشركات أو المتعهدين الذين تلزّم إليهم تنفيذ أمثال هذه المشاريع الحيوية العملاقة، ومنها طريق (الرّقة - حلب)، (الرّقة - أثريا - حماة - حمص - دمشق)، (حلب - دمشق)، (الرّقة - دير الزور).

خصخصة الطرق في سورية ليس جديداً، بل يعود إلى عام 2001، حين أبرمت الحكومة السورية عقداً مع شركة الخرافي الكويتية لتنفيذ مشاريع مد طرق، بينها الطريق الذي يربط مدينة أريحا بريف إدلب مع مدينة اللاذقية الساحلية

وغيرها من المشاريع التي ما أن ينتهي العمل بها، بصورته النهائية، حتى يعاد العمل بها من جديد بسبب كثرة الحفريات، وإصابة جسم الطريق بعاهات ما أنزل الله بها من سلطان، ناهيك بغياب أبسط مقوّماته وغيرها من أساسيات الطرق العامة، والسبب هو التنفيذ السيئ من قبل المنفّذين، وتواطؤ جهات الإشراف التي يعود إليها مراقبة التنفيذ!

والهدف من إقامة هذه المشاريع المهمّة والحساسة في بلدنا ينصبّ في الإفادة من صرف الكشوفات المالية لقاء إرضاء المسؤول الذي ينتظر حصته منها، وظلّت تعاني من احتياجاتها الأساسية، والمواطن لا حول له ولا قوة !!

إنشاء الطرق وتحديثها بهدف تعمير الجيوب الفارغة، شرّ لا بد منه، وهو الهدف الأساس الذي تم تخطيط واستدراج عروض الأسعار وتأطيرها في الصحف المحلية، والعودة من جديد إلى برامج الصيانات المكررة الذي لم نخلص منها، وما يصرف عليها من مبالغ يفوق في الواقع ما صرف عليها لجهة تأسيسها وتنفيذها والتي انتظرها المواطن سنوات وسنوات، وها هو اليوم يتأمّل إدراجها في برامج الصيانة الدورية علّ وعسى أن تحقق الشروط الأساسية لطرق دولية تنفع الناس وتلبّي احتياجاتهم. وهذا هو ما يطمح له المواطن الذي ظل أسير العصابات الإدارية ــ الوظيفية التي أكثر ما يهمّها تدوير الدراسات وصرف الكشوفات الوهمية منها، وتأسيس مشاريع لطرق غير موجودة على الأرض، وبمساعدة الجهات الرقابية التفتيشية التي تعد من أكبر المستفيدين لقاء إقامة أمثال هذه المشاريع المهمة التي يخصص لها مبالغ كبيرة تغري القائمين عليها وتدفعهم إلى  التخطيط لها، ليس من أجل خاطر عيون المواطن وإنما لأجل الفائدة المادية بالدرجة الأولى، وما مقدار المبالغ المالية التي سوف تدخل جيب المسؤول والمشرف والمنفذ والمراقب الحكومي... وانتهاء بالوزير صاحب التوقيع بالتفويض عن الحكومة!

ومن أهم المشاريع الطرقية العملاقة التي يجري اليوم العمل التخطيط لها وتنفيذها طريقان دوليان، يمتد الأول من شمالي إلى جنوبي سورية "من الحدود التركية حتى الحدود الأردنية"، تحديداً من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا مروراً بمحافظات حلب حماة وحمص، وصولًا إلى الحدود الأردنية جنوب سورية.

ويمتد الطريق على طول 432 كيلومتراً من الدرجة الأولى، وبتكلفة تصل إلى 808 ملايين يورو "480 مليار ليرة سورية " وفق التقديرات الأولية. ويربط الطريق الثاني شرق سورية بغربها، ويمتد من محافظة طرطوس عبر منطقة التنف إلى الحدود العراقية (طرطوس، حمص، البصيرة، التنف، الحدود العراقية). ويمتد الطريق على طول 351 كيلومتراً من الدرجة الأولى، وبتكلفة تبلغ 473 مليون يورو (281.4 مليار ليرة سورية) وفق التقديرات الأولية.

من جهة أخرى يجري العمل الآن على تعديل تصنيف الطرق المحلية إلى مركزية، ضمن عمليات التأهيل التي تحدثت عنها وزارة النقل في حكومة النظام السوري، والتي لا ينطلق العمل بها من عمليات الإصلاح والصيانة فقط، بل يمتد إلى أهداف بعيدة وأساسية ترتبط بجذب المستثمرين والشركات الأجنبية، وهو ما يحقق هدفين بضربة واحدة، الأول هو التخلص من العبء المادي للعملية، والآخر هو الحصول على عائدات مالية ورسوم بعد إتمام التأهيل بشكل كامل، ومد الطرقات بتصنيفاتها الجديدة.

من بين الطرقات التي حددتها وزارة النقل لتعديل تصنيفها، طريق أثريا- خناصر- حلب، السلمية- المخرم الفوقاني- الفرقلس، عقدة حميميم- مطار حميميم، صلخد- بكا- دوار المفطرة، طرطوس- بغمليخ- وادي العيون. وينطلق تعديل تصنيف الطرق من محلية إلى مركزية:

رفع المستوى العام لسرعة السيارات، أي أكثر من 90 كيلومتراً في الساعة، ما يحقق جغرافية الوصل إلى دول العالم الأخرى، وبالتالي الوصول إلى المياه الدافئة (البحر المتوسط). كما تتطلع حكومة النظام السوري إلى وضع خريطة لإعادة خصخصة قطاع الطرقات وفرض ضرائب، سواء من الدولة أو القطاع الخاص على العابرين والمستخدمين. فالنظام السوري يريد من تعديل التصنيف جذب الاستثمارات الأجنبية.

إنَّ خصخصة الطرق في سورية ليست أمرا جديداً، بل تعود إلى عام 2001، حين أبرمت الحكومة السورية عقداً مع شركة الخرافي الكويتية لتنفيذ مشاريع مد طرق، بينها الطريق الذي يربط مدينة أريحا بريف إدلب مع مدينة اللاذقية الساحلية، وطريق دير الزور- الحسكة، وقد أسهم  "الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية" في تمويل مشروع طريق أريحا- اللاذقية الذي يهدف إلى ربط مناطق الإنتاج في سورية بمناطق التصدير، عن طريق قرض قدمه الصندوق للحكومة السورية بقيمة 15 مليون دينار كويتي.

ونحن نستعرض واقع الطرق المحلية والمركزية في سورية، نتساءل: هل يجري العمل والتخطيط على كيفية افتراسها مادياً، فضلاً عن اغداق جيوب المسؤولين على تنفيذ هذه المشاريع الوهمية التي ينتظرها فريق عمل متكامل من فنيين ومهندسين  يمتلكون الخبرة في إدارتها، ويعملون لصالح جهات خاصة وليس خدمة للناس، ما يضع في البال السؤال الكبير: وهو كيف ستسوق هذه الطرق، والفكرة من وجودها، وبأي طريقة يمكنه أن تصب دراساتها وتنفيذها مستقبلاً في جيوبهم؟

هذا الواقع لازم والكل يعرف، الطرق المحلية وحتى المركزية، التي نفّذت بطرق بدائية، وكأن عين الرقيب حجبت عن مشاهدتها تماماً، مادام أن العبرة هي في ذوبان الأموال المرصدة لها والتي ستصب أخيراً في جيوبهم، ولهذا تراهم في كل عام يقومون بانشاء دراسات لجهة فتح مشاريع طرق جديدة تصب مخططاتها من أجل العمل على نهبها، أو على الأقل شغلها بسوية رديئة جداً، وهذا ما حدث ويحدث الآن في سورية، بدليل ما آلت مشاريع الطرق القائمة الحالية، والتي نفّذت بأدنى مستوى لها رغم المبالغ الكبيرة التي وفرتها الحكومة لتنفيذها!