مقاربة أميركية جديدة لسورية: فرص العرقلة ومخاطر العزلة

29 يوليو 2019
الصورة
قوات أميركية في الشرق السوري(دليل سليماني/فرانس برس)
ساهمت مجموعة عوامل خلال الأشهر الماضية في بلورة ملامح سياسة أميركية تبدو متماسكة لأول مرة في سورية منذ عام 2011. أدى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من سورية نهاية العام الماضي إلى إرباك حلفاء الولايات المتحدة وخصومها، لكن تداعياته الأبرز كانت داخل إدارته مع إمساك المحافظين بمفاصل السياسة الخارجية بعد تنحي وزير الدفاع جيمس ماتيس، ثم تولّي جيمس جيفري ملف الحرب على "داعش" إلى جانب منصبه كمبعوث أميركي لسورية، ما أدى إلى تصالحٍ في هذا الانفصام للسياسة الأميركية. أما تسلّم الجنرال فرانك ماكينزي القيادة الوسطى في الجيش الأميركي، في شهر إبريل/نيسان الماضي، فأوجد إيقاعاً جديداً لمقاربة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). أبعد من ذلك، فرض التأزم في الاتفاق النووي مع إيران وملف منظومة "أس 400" مع تركيا، على إدارة ترامب أن تأخذ المبادرة لإثبات قدرتها على إظهار القوة.

هذه المقاربة الأميركية الجديدة تقوم على ثلاث دعائم: إخراج إيران من سورية، هزيمة تنظيم "داعش" بشكل كامل، وإطلاق عملية سياسية تغيّر سلوك النظام السوري بطريقة جوهرية. هذه المعادلة تعني أن بقاء القوات الأميركية في سورية، أصبح من دون سقف زمني ومرتبطاً بأهداف بعيدة الأمد مثلما هو الحال في العراق، إلا إذا حسم ترامب الانسحاب وفرضه على البنتاغون عند إيجاد صيغة تحفظ الاستقرار على الحدود السورية-التركية في المدى المنظور، لكن هذا يبدو مستبعداً حتى الآن.

هذا التحول في المقاربة الأميركية كان تدريجياً، قبل أن تسرّع وتيرته التطورات الإقليمية الأخيرة. في نهاية العام الماضي، بدأت إدارة ترامب فرض عقوبات على الدعم المادي الروسي والإيراني لنظام الرئيس بشار الأسد، لا سيما إمدادات النفط. وبذلك جعلت واشنطن الضغوط الاقتصادية أداة لتغيير حسابات موسكو وطهران في سورية. كما نجحت إدارة ترامب خلال الفترة الأخيرة في إجهاض خطط روسيا للتطبيع العربي مع دمشق وعرقلة إطلاق مسار عودة اللاجئين وإعادة الإعمار. مع أن هذه الضغوط نجحت إلى حدّ ما في تقليص موارد النظام الشحيحة، لكنها ساهمت أيضاً في تجاوز موسكو وطهران الخلافات التي عصفت بعلاقاتهما خلال العام الماضي. حتى أن هناك اعتقاداً متزايداً بأن الضغوط الأميركية على إيران أدت إلى رمي طهران في ذراع موسكو.

لكن هذه الضغوط أو العراقيل الأميركية كانت بلا أفق أو طرح بديل. الحراك الأميركي الجديد حالياً هو في الانتقال من العرقلة والمراوحة إلى أخذ المبادرة وتعزيز النفوذ لمواجهة احتمالات ازدياد عزلة واشنطن في سورية إذا كانت هناك مواجهة مع أنقرة. وفي المقابل، تواجه إدارة ترامب تحديات ميدانية وإقليمية جديدة في سورية، كما تبدو أحياناً متقلبة ومتناقضة في سياساتها، وهذا الأمر من مكامن ضعفها بشكل عام.

بدأت إدارة ترامب تقول بكل صراحة لموسكو إن لا عودة لإدلب أو شرق الفرات إلى سيطرة النظام من دون تفاوض مع واشنطن يشمل انسحاب إيران وحلفائها، لكن في نفس الوقت يتحدث جيفري عن عرض أميركي لإعطاء روسيا أسلحة تساعد على الاستهداف المركّز لـ"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) في إدلب، قبل أن يشكو أن موسكو رفضت هذا العرض. لأول مرة تدخل الولايات المتحدة، بشكل مباشر على خط ما يجري بين روسيا وتركيا، لكن تصاعد التوتر الأميركي-التركي شرق الفرات قد يؤدي إلى انتهاء تقاطع المصالح بين واشنطن وأنقرة في إدلب.



وكان هناك أيضاً عدم اهتمام من إدارة ترامب بجهود الحل السياسي التي اعتبرتها لفترة من اختصاص موسكو، طالما أن التركيز الأميركي على شرق الفرات، لكن خلال الأسابيع الأخيرة بدأ جيفري يوحي بأن على المعارضة الاستعداد لمرحلة مفاوضات جديدة مع النظام. وبدأت إدارة ترامب تسهّل تشكيل اللجنة الدستورية بعد تململ روسي من عرقلة تأليفها في سياق الضغط السياسي على النظام. لكنْ، مع المساعدة على هذا التسهيل، هناك حرص أميركي على عدم الدخول في تفاصيل الحل السياسي عبر وساطات أو العودة إلى مقاربة ثنائية مشابهة لوزيري خارجية أميركا وروسيا، جون كيري وسيرغي لافروف، في أيام رئاسة باراك أوباما.

كما سرّبت إدارة ترامب لموقع "فورين بوليسي" قرارها تمديد وجودها العسكري في قاعدة التنف (هناك 200 جندي أميركي حالياً)، في هذه النقطة المركزية على الحدود الفاصلة بين سورية والأردن والعراق. مع العلم أن إخلاء قاعدة التنف كان في الأعوام الماضية ضمن اقتراح أميركي لصفقة مع روسيا مقابل سحب النفوذ الإيراني من جنوب سورية. هذا القرار الأميركي، إذا أعلن رسمياً، قد يفتح الباب أمام عراقيل قانونية في الكونغرس، لا سيما أن استمرار الموافقة التشريعية على تمويل القوات الأميركية في سورية مشروط بالمعركة مع "داعش" وليس لمراقبة الأنشطة الإيرانية على الحدود. كما أن هناك حديثاً أيضاً عن تعزيز القوات الأميركية لانتشارها شرق الفرات، لا سيما بناء قواعد عسكرية جديدة كمؤشر على بسط سلطة النفوذ الأميركي شمال سورية. وتأتي هذه الخطوات ضمن محاولات إدارة ترامب تطمين الحلفاء الأكراد بأن أميركا باقية، لكنّ هناك هاجساً كردياً مستمراً بأن هذا الأمر قد يتغير في أي لحظة مع تغريدة من ترامب.

هناك مقاربة أميركية مختلفة في التعامل مع تركيا يقودها الجنرال ماكينزي الذي يبدو أكثر استعداداً لإظهار الدعم الأميركي للأكراد شرق الفرات رداً على التهديدات التركية، بدل مقاربة سلفه الجنرال جوزيف فوتيل، الذي كان أكثر حرصاً على تفادي استفزاز أنقرة. ماكينزي لم يتردد في زيارة عين العرب (كوباني) علناً في 22 يوليو/تموز الحالي على عكس زيارة سلفه البعيدة عن الأضواء عام 2017. وتزامنت هذه الزيارة مع تلبية جيفري دعوة أنقرة لمباحثات حول سورية على وقع التهديدات التركية على تخوم الأراضي تحت سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) شرق الفرات.

العام الماضي، لم تكن هناك ردة فعل من إدارة ترامب على إطلاق أنقرة عملية "غصن الزيتون" غرب الفرات، لكن هذه المرة هناك اختبار لقدرة أو تصميم واشنطن على الحفاظ على مصالحها الحيوية شرق الفرات.
أي هجوم تركي شرق الفرات يهدّد الجنود الأميركيين، قد يؤدي أيضاً إلى تغيير مزاج ترامب حيال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهذا سيناريو قد يكون ضمن الحسابات التركية، لا سيما أن ترامب يبدو كأنه الحليف الأخير لتركيا في الإدارة الأميركية. هناك مؤشرات متزايدة على أن أزمة منظومة "أس 400" ستقرّب أنقرة أكثر من "حلف أستانة" الذي سينعقد الشهر المقبل، فيما يبدو أن التكتيك الأميركي انتقل من محاولة إبعاد أنقرة عن موسكو في الربيع الماضي، إلى محاولة تفادي التدهور في العلاقات الأميركية-التركية. هناك إدراك في إدارة ترامب بأن أردوغان، الذي يمرّ بضغوط داخلية، لا يريد مواجهة سيناريو هجوم روسي على إدلب يؤدي إلى نزوح أكثر من 3 ملايين لاجئ نحو الحدود التركية. ويبدو كأن أردوغان يضع معادلة تأجيل هجوم تركي شرق الفرات مقابل تأجيل العقوبات الأميركية على أنقرة نتيجة "أس 400".



لا تقتصر تهديدات تركيا الحالية على المصالح الأميركية في الشمال السوري، بل تشمل فك الارتباط بين شرق الفرات (روجافا) وشمال العراق (كردستان) وتقطيع أوصال الكيان الكردي على حدودها السورية، وذلك مع ترحيب ضمني روسي وإيراني بمحاولات أنقرة إحراج أميركا أو إخراجها من سورية. واشنطن، من جهتها، تكرّس الأمر الواقع شرق الفرات، من دون انتظار الأتراك في محاولة لنقل تجربة إقليم كردستان العراق إلى سورية. وقد أعلنت إدارة ترامب عن تعاون عسكري مع الفرنسيين والبريطانيين لإرسال قوات خاصة إلى شرق الفرات، وتستمر في التعاون السياسي مع السعودية لاستقطاب عشائر المنطقة.

في المقابل، تحاول واشنطن مهادنة أنقرة عبر فكرة "المنطقة الآمنة" بعد فشل وساطتها بين الطرفين التركي والكردي. كما يبدو التناغم واضحاً بين موسكو وأنقرة في ظل تبريد جبهة العمليات البرية في إدلب (استهداف نقاط المراقبة التركية من النظام وإيقاف الهجمات البرية)، لتركز الحكومة التركية في المقابل على جهودها شرق الفرات. وهذا تحوّل لافت في الموقف التركي، لا سيما بعد معلومات في شهر مايو/أيار الماضي عن مد تركيا بأسلحة جديدة إلى المعارضة السورية لصدّ هجمات النظام على إدلب.

بما أن شرق الفرات هو ضمن "الحصة الأميركية" في سورية، لا ترغب موسكو في تجاوز الخطوط الحمر لاتفاقها الضمني مع واشنطن، بل تفضل على الأرجح سحب البساط من تحت أقدام الأميركيين. وإذا لم تردع واشنطن أي توغل تركي شرق الفرات، فإن هذا سيرمي الطرف الكردي في أحضان روسيا ويغيّر كل المعادلة السورية. هناك أيضاً هشاشة أميركية شرق الفرات عبر انقلاب العشائر على حلفاء الأميركيين شرق الفرات، ولهذا يمكن رؤية التنافس بين الأميركيين والروس والأتراك والإيرانيين على نيل رضى هذه العشائر في دير الزور، وحتى تنظيم "داعش" يوجه عملياته وأنشطته لاستغلال هذه الخلافات.

أما التخبّط في هذه المقاربة الأميركية فهو عبارة عن استمرار الانقسامات داخل إدارة ترامب، حيال ما إذا يجب أن يكون دور القوات الأميركية محاربة "داعش" والضغط نحو الحل السياسي، أو التركيز على ردع النفوذ الإيراني. التيار المحافظ في إدارة ترامب يرى أن القوات الكردية يمكنها أن تؤدي دوراً في منع الجسر البري الإيراني عبر سورية، لكن البنتاغون، والأهم من ذلك قيادة "قسد"، لا تريد أن تكون جبهة مفتوحة في أي مواجهة أميركية إيرانية مباشرة أو غير مباشرة.

وفي السياق الأوسع، لا يزال هناك نقاش غير محسوم في البنتاغون حول التعامل مع سورية، بانتظار ملء وزير الدفاع الجديد مارك أسبر الفراغ في مواقع قيادية في الوزارة. الاعتقاد السائد في البنتاغون أن القوات الروسية تتفادى المواجهات العسكرية المباشرة ولا تحاول ردع الضربات الأميركية أو الإسرائيلية عندما تحصل، لكن هناك عدم يقين في ترقب نوايا النظام الإيراني. مع استمرار الضربات الإسرائيلية على أهداف لإيران وحلفائها في سورية، الخطة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قائمة هي اتفاق مع روسيا لردع إيران أي مقايضة انسحاب إيران من سورية بتسهيل الحل السياسي، وهذا لا يبدو وارداً بالنسبة لموسكو حتى الآن. أبعد من ذلك الحراك، لا يبدو أن هناك نية أميركية لإعادة فتح الجبهات الشمالية أو الجنوبية في الحرب السورية أو إعادة تسليح الجيش الحر بهدف تعديل المعادلات الميدانية.