مفكرة المترجم: مع يوسف نبيل

05 ابريل 2019
الصورة
(يوسف نبيل)
+ الخط -

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة إلى اللغة العربية اليوم.


■ كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟
- بدأ الأمر بقراري دخول "كلية الألسن" لدراسة اللغة الروسية، بعد أن عشقت الأدب الروسي في المرحلة الثانوية. بعد التخرّج، أمضيت عدّة أعوام في الخدمة العسكرية، ثم اضطررت للعمل في مجالات بعيدة عن دراستي فنسيت حلمي قليلاً، ثم أعاده لي اقتراح أحد الأصدقاء بترجمة عمل عن الإنكليزية لصالح إحدى دور النشر. ترجمتُ العمل فعلاً وتذكّرت حلمي. لذا، وبعد أن ترجمت عدّة أعمال عن الإنكليزية، عدتُ للعمل على لغتي الروسية ثانية، وانخرطت في الترجمة الأدبية وتفرّغت لها.


■ ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
- آخر ترجماتي المنشورة هي "حكايات من أوديسا" لـ إسحاق بابل، وأعمل الآن على مشروع شديد الضخامة يتعلّق بـ ليف تولستوي، وسأعلن عنه قريباً فور صدور الجزء الأول.


■ ما هي، برأيك، أبرز العقبات في وجه المترجم العربي؟
- العقبة الأولى تتعلّق بإيجاد دار نشر يمكنها أن تدفع له مبلغاً مالياً مناسباً دون تأخير، ليتمكّن من التفرّغ لمهنة الترجمة. العقبة الثانية تتعلق بافتقاد الترجمة إلى العمل المؤسّسي. الترجمة صناعة خاصة تحتاج إلى هيئات داعمة يمكنها شراء حقوق النشر الأجنبية وتعويض المترجم مالياً بشكل مناسب، وهو أمر غير متوفّر إلا بشكل فردي عبر بحث بعض دور النشر عن منح لدعم الترجمة. باختصار، مع العمل الفردي في الترجمة تصعُب إقامة مشاريع ترجمية حقيقية مثلما حدث مثلاً إبان فترة الاتحاد السوفييتي مع دار التقدُّم بموسكو حينما عَمِلت على نشر روائع الأدب الروسي.

العقبة الأخيرة هي افتقاد العالم العربي بشكل كامل إلى نقد متعلّق بالترجمة، بمعنى أن هناك ترجمات جيّدة وأخرى سيّئة. وفي النهاية، توضع جميعاً على نفس الطاولة. ليس هناك من يهتمّ بالكتابة عن مستوى الترجمة بشكل مفصَّل، ودون نقد حقيقي يصعب حدوث تقدم فعَّال.


■ هناك قول بأن المترجم العربي لا يعترف بدور المحرِّر، هل ثمّة من يحرّر ترجماتك بعد الانتهاء منها؟
- الحقيقة أن الأمر يعتمد على دار النشر، فهناك دور نشر يعمل بها محرّرون، وفي هذه الحالة يتعرّض نصي إلى عملية تحرير أرحِّب بها دائماً، وهناك دور نشر تكتفي بالمراجعة اللغوية والنحوية، وهناك بعض السلاسل الحكومية ترسل العمل إلى مترجم آخر ليراجع العمل ترجمياً. عملت مع مختلف هذه الفئات.


■ كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
- عملية اختيار الكتاب في ظل العمل الفردي غير المؤسسي تكاد تكون المهمة الأكبر للمترجم. أغلب دور النشر لا تعرف الأعمال الروسية التي لم تترجم، أو ما الذي يجب ترجمته أولاً، إلى غير ذلك. لذا فمهمّة المترجم هنا أن يبحث ويقرأ عن هذه الأعمال وما كُتِب عنها. أقرأ كثيراً، فمن الممكن أن أقرأ مجموعة كبيرة من الكتب كي يقع اختياري على واحدٍ منها فقط.

مع الوقت، يزداد وعيي بخريطة الأدب الروسي فأتعرّف على الأعمال المهمّة التي لم تترجم وأشرع في ترجمتها. أغلب الناشرين كانوا يرحّبون بما أقدّمه من أعمال، ولكن هذا حدث بعد المرحلة الأولى التي نشرتُ فيها بضعة كتب، فأصبح اسمي معروفاً بقدرٍ ما في عالم الترجمة، ثم توالت الإصدارات فازداد ترحيب دور النشر بي.


■ هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقّف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
- بشكل ما، ليست لديَّ أي اعتبارات سوى الفنية، ولكن رفضت مثلاً ترجمة أعمال روسية صدرت في الحقبة السوفييتية موجَّهة سياسياً بشكل فج بدرجة أفقدتها قيمتها الفنية... تلك الأعمال المصنّفة تحت راية الواقعية الاشتراكية.


■ كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
- أفضّل في أغلب الأوقات ترجمة أكثر من كتاب لنفس الكاتب حتى أستطيع فهم عالمه بصورة أشمل. يختلف تعاملي مع الكاتب، فالبعض أكنّ لهم إعجاباً فكرياً وفنياً كبيراً، والبعض أدخل معه في علاقة أعمق من هذا، وأستطيع الشعور بكل ما يودّ أن يقوله بين ثنايا الكلمات. أقرأ عنهم وعن حياتهم وأعمالهم وكل ما يقع تحت يدي من تفاصيل. تشمل مثلاً هذه الفئة الثانية تولستوي الذي ترجمت له أربعة كتب حتى الآن، ولا يزال أمامي المزيد. بينما تضم الفئة الأولى كتّاباً من أمثال: ميخائيل بولغاكوف وإسحاق بابل.


■ كثيراً ما يكون المترجم العربي كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
- علاقة مثمرة جداً. بدأتُ الكتابة قبل الترجمة، وحلمي الأكبر كان في مجال الكتابة في الأساس. ظللت فترة طويلة أعاني من مشكلة جوهرية في الكتابة تتعلّق بعلاقتي باللغة، حيث كنت أميل إلى التركيز على العامل الفكري في الرواية، مع إهمال واضح للغة، ولم أكن أفهم تماماً طبيعة المشكلة.

تزامن ذلك مع بدء عملي بالترجمة، وبطبيعة الحال تزايد اهتمامي اللغوي، وشعرت وكأن حجاباً قد انكشف من أمام عينَي، ففهمت تحديداً تفاصيل مشكلة علاقتي مع اللغة. من ناحية أخرى، أفادتني الكتابة جداً في الترجمة، فمنحتني القدرة الأدبية على تشكيل النص المترجم بصورة مختلفة حسب طبيعة النص الأصلي، وهو الأمر الذي يفتقده بعض المترجمين، فتخرج ترجماتهم جميعاً بنفس الأسلوب مهما اختلفت لغة وأساليب النصوص الأصلية.


■ كيف تنظر إلى جوائز الترجمة العربية على قلّتها؟
- في الحقيقة، يعدّ ظهور جوائز في الترجمة في حد ذاته أمراً محموداً. منذ أعوام لم يكن المترجم ينعم بما ننعم به الآن من تحسن في الأجور وظهور جوائز تجعل من الممكن للبعض أن يتفرّغوا للترجمة.


■ الترجمة عربياً في الغالب مشاريع مترجمين أفراد، كيف تنظر إلى مشاريع الترجمة المؤسساتية وما الذي ينقصها برأيك؟
- تعاني الترجمات المؤسسية من نفس مشاكل الواقع العربي ككل، بمعنى أنها تعمل بنفس طريقة عمل بقية المؤسسات، لذا ستجد الأمر في مصر إما إعادة تدوير لترجمات قديمة أو نشر ترجمات جديدة مع وجود كافة أنواع البيروقراطية القاتلة والمحسوبية، ومن دون أية قواعد حقيقية تضمن جودة الترجمة. ستجد ترجمات جيدة وترجمات سيئة.

في بلدان أخرى، ستجد مثلاً سلاسل قوية تقدّم ترجمات جيدة لكنها تتعرّض لرقابة شديدة في أي شيء يخص الجنس أو السياسة، بل ويُذكر ذلك صراحة عند إبرام العقد مع المترجم، ويتم قطع وتعديل بعض المقاطع دون أن يدري المترجم شيئاً. السياق الثقافي غير منفصل عن السياق السياسي في المنطقة، لذا لا يمكن الحديث عمّا ينقصها دون مناقشة السياق السياسي الأكبر الذي يتحكم في الأساس في طريقة تسيير المؤسسات. لكن وباختصار، الأمر في مصر تحديداً ينحدر بصورة مرعبة، بينما يتحسّن في بعض بلدان الخليج.


■ ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
- القاعدة الأولى أني لا أترجم أبداً عملاً لا أحبه أو ليست له قيمة حقيقية، لذلك أرشح أنا غالباً الأعمال لدور النشر لا العكس. والقاعدة الثانية احترام النص الأصلي، فلا يمكنني أن أتعرّض بالحذف مثلاً لبعض الأجزاء التي لا توافقني سياسياً أو فكرياً أو ما شابه. يمكن ببساطة ألّا أُقبل على ترجمة العمل من البداية إن وجدته غير مناسب لي، لكن طالما شرعت فيه فعليَّ احترامه. أحب أن أعمل صباحاً فور استيقاظي من النوم، فأخصص فترة النهار للعمل والليل للراحة والتسلية، كما أني ألتزم بترجمة عدد من الكلمات يومياً بصرامة حتى أستطيع إنجاز كمية معقولة.


■ كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
- في بداية عملي بالترجمة ترجمت كتيّباً يحوي ثلاث قصص لدوستويفسكي معتقداً أنها لم تترجم من قبل، بينما هي كانت مترجمة فعلاً. القصص جميلة والكتيب بشكل عام مقبول، لكني ندمت على عدم تدقيقي. أحاول مواساة نفسي بأنها كانت أول تجربة لي في عالم الترجمة وكنت أفتقر إلى الخبرة اللازمة ولم يكن هناك أحد يساعدني ولو بالنصيحة وقتها. تحسنت الأمور مع الوقت واكتسبت بعض الخبرة اللازمة.


■ ما الذي تتمناه للترجمة إلى اللغة العربية وما هو حلمك كمترجم؟
- أتمنى للترجمة العربية أن تصبح صناعة حقيقية تسير على قواعد ثابتة: دور نشر محترفة، يعمل بها عدد من المترجمين والمراجعين والمصححين والمحررين الأكفاء، وأن تتناول خططاً متنوّعة وواضحة في تقديم كم كبير من الأعمال بجودة.

حلمي كمترجم أن يرتبط اسمي بمجموعة من المشاريع الهامة التي تستمر لأعوام طويلة، مثلما هو الأمر الآن مثلاً مع ترجمات تشيخوف لأبو بكر يوسف، أو ترجمات دوستويفسكي لسامي الدروبي. أحلم أيضاً بتغطية العجز الكبير الموجود في ترجمة الأدب الروسي، وقد بدأتُ بالكلاسيكيات وانتقلت أيضاً لأعمال في الفترة الممتدة من العشرينيات إلى الأربعينيات، وسأكمل بعدها بقية الأعمال الهامّة في القرن العشرين، قبل الانخراط في ترجمة الأعمال المعاصرة.


بطاقة
كاتب روائي ومترجم مصري من مواليد 1987. تخرّج في "كلية الألسن" (قسم اللغة الروسية) في القاهرة عام 2008. يترجم من الروسية والإنكليزية، وقد صدرت له إلى اليوم اثنتا عشرة ترجمةً من بينها: "صبي مع المسيح عند شجرة عيد الميلاد" لـ فيودور دوستويفسكي، و"عن العصيان ومقالات أخرى" لـ إريش فروم، و"طريق الحياة" لـ ليف تولستوي، و"الحرس الأبيض" لـ ميخائيل بولغاكوف، و"حكايات من أوديسا" لـ إسحاق بابل.

المساهمون