مصير "تحرير الشام": تفكيك أم قضم تدريجي؟

02 سبتمبر 2019
الصورة
أعلن الجولاني انفكاكه عن "القاعدة" (عمر حاج قدّور/فرانس برس)

قفزت "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) إلى واجهة الحدث السوري، مع تجدد الحديث عن مساعٍ لإقناع قادتها بحلها لتجنيب الشمال الغربي من سورية موجة تصعيد عسكري ثانية من قبل النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، قد تدفع نحو 4 ملايين مدني إلى حافة كارثة إنسانية، وتفضي إلى سيطرة النظام على كامل محافظة إدلب، خصوصاً أن الجانب الروسي يضع شرط تفكيك الهيئة من أجل إنهاء الأعمال القتالية والبدء في استئناف الحركة على الطرق الدولية. وتناقل ناشطون وأهالي في إدلب أنباء تفيد بقرب "هيئة تحرير الشام"، من حلّ نفسها وحلّ حكومة الإنقاذ والمجالس المحلية التابعة لها، وذلك بضغوط تركية بناءً على اتفاقات مع روسيا بهدف تثبيت وقف إطلاق النار. وذكرت مصادر محلية لـ "العربي الجديد" أن ناشطين ومدنيين في إدلب يتناقلون أنباءً عن وجود مفاوضات بين "هيئة تحرير الشام" و"الجبهة الوطنية للتحرير" بوساطة فصيل "فيلق الشام"، بهدف حل الأولى وتسليم الإدارات إلى حكومة جديدة تشكل من قبل "الجبهة الوطنية للتحرير". وأضافت المصادر أن الأنباء تفيد كذلك بأن إعلان وقف إطلاق النار من قبل روسيا جاء لمنح تركيا فرصة من أجل حل "هيئة تحرير الشام"، وهو أحد أهم البنود في الاتفاقات الموقعة بين الطرفين لوقف إطلاق النار في إدلب.

وذكرت مصادر مطلعة في المعارضة، لـ"العربي الجديد"، أن "مسألة التفاوض مع الهيئة لحل نفسها، سواء أكانت تلك المفاوضات مع تركيا أو بقية الفصائل، ليست جديدة، وهي موجودة منذ بداية محادثات أستانة"، مشيرة إلى أن "الهيئة حاولت مراراً التخفي عبر المناورة بتغيير اسمها وشعاراتها". ويشكّل وجود "هيئة تحرير الشام" الذريعة الجاهزة للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين للفتك بالسوريين، مدنيين وفصائل عسكرية تُوصف بـ "الاعتدال" تبحث عن حل سياسي للقضية السورية تحت غطاء الأمم المتحدة، وهو ما يقلق النظام الذي أسهم في "صنع" الإرهاب والتنظيمات التي تتهم بالتطرف، كي تكون مدخلاً واسعاً لاستعادة السيطرة على سورية والعودة بها إلى ما قبل عام 2011.

من جهته، اعتبر قيادي في الجيش السوري الحر، لـ"العربي الجديد"، أنه "لم تتخذ حتى اللحظة أي إجراءات باتجاه حل هيئة تحرير الشام"، ولكنه لم يستبعد هذا الأمر "على ضوء التطورات المتسارعة في شمالي غرب سورية"، مضيفاً أن: "هذه الخطوة لا بد منها لتجنب السيناريو الأسوأ في محافظة إدلب ومحيطها. المجتمع الدولي لن يقبل بوجود الهيئة وتنظيمات تدور في فلكها إلى ما لا نهاية".

من جانبه، رأى الباحث حمزة مصطفى أنه "ليس هناك إمكانية لحل هيئة تحرير الشام"، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد": "براغماتية التنظيمات الجهادية مرتبطة بشكل لا يؤثر على بقاء التنظيم، بمعنى أن هذه التنظيمات تقوم بالأساس على دور القيادة التي تعتبرها كاريزماتية أو تاريخية". وأضاف أنه: "في حال اتخذت هذه القيادة قرارها حلّ التنظيم والذي لا توافق عليه القاعدة (الجنود)، فإن إمكانية قيام تنظيمات جديدة واردة جداً، خصوصاً أن الخلافات تعاظمت داخل "هيئة تحرير الشام" أخيراً".

ورداً على سؤال يتعلق بتعرض الهيئة للاجتثاث في حال عدم حل نفسها، قال مصطفى: "كل التنظيمات الجهادية تعرضت للتهديد بالاجتثاث وفضّلته على حل التنظيم". وأضاف: "صراعات التنظيمات الجهادية تكون على الشرعية الجهادية أكثر من أي شيء آخر. "جبهة النصرة" براغماتية لكن لا يمكن أن تتخطى حداً معيناً. حتى لو حلّت نفسها سوف تنشئ تنظيماً جديداً مشابهاً بمسمى جديد". وحول السيناريو المتوقع لإدلب ومحيطها في حال عدم تفكيك "هيئة تحرير الشام"، رأى أن السيناريو هو "القضم التدريجي"، مضيفاً: "هذه المرة من جهة ريف حلب الغربي، لأن الطريق أصبح سهلاً بعد سيطرة قوات النظام على بلدة التمانعة، ولا تستطيع المقاومة أن تفعل شيئاً كما حصل في تل ملح بريف حماة الشمالي".



إلى ذلك، يبدو الشمال الغربي من سورية مفتوحاً على كل الاحتمالات في ظل حديث عن أن الهدنة الراهنة هي بمثابة فرصة أخيرة للجانب التركي، من أجل تفكيك "هيئة تحرير الشام" وفتح الطرق الدولية لتفادي استمرار حملة النظام، الذي لا يزال يصرّ على استرجاع إدلب سلماً عن طريق المصالحات أو حرباً. وتبدو "هيئة تحرير الشام" في أسوأ حال، وخاصة أنها فقدت تعاطف الشارع المعارض بسبب تشدّدها وعدم صمودها أمام قوات النظام وعدم السماح لكل فصائل المعارضة بالمشاركة في القتال الأخير.

ورأى القيادي السابق في الجيش السوري الحر، المقدم سامر الصالح، أن حل الهيئة "ممكن"، آخذاً بعين الاعتبار الآلية والضمانات ومصير المهاجرين. هنالك أمور شائكة، لذلك لا أتوقع سهولة التفكيك. وأبدى اعتقاده بأن "كل الدول لها مصلحة بوجود الهيئة كي تبقى شمّاعة للقصف"، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد": "ستبقى الهيئة شمّاعة حتى تنتهي مصالح الدول وتعرف كل دولة طريقها". من طرفه، اعتبر القيادي في "جيش العزة"، العقيد مصطفى البكور، أن حلّ الهيئة ممكن، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد": "الهيئة تمتلك ديناميكية التعامل مع المواقف المستجدة، ولو كانت القرارات صعبة".

وظهرت "جبهة النصرة" في المشهد الثوري السوري في مطلع عام 2012، وذلك في ذروة الثورة السلمية التي واجهها النظام بالحديد والنار، لعسكرة الثورة واتخاذ هذا الأمر ذريعة لضرب جوهرها الأخلاقي، ولتبرير فتكه بالسوريين أمام الرأي العام العالمي. وبايعت "جبهة النصرة" زعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري، الذي أعلن، في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته، أنها الممثل الوحيد لتنظيم "القاعدة" في سورية. وسيطرت "النصرة" على مناطق في شمال سورية وجنوبها، خصوصاً في ريفي إدلب وحلب. كذلك سيطرت على محافظة الرقة في بدايات عام 2013، مع حركة "أحرار الشام الإسلامية"، وفصائل تابعة للجيش السوري الحر، وسيطرت على مساحات في ريف دير الزور الشرقي وفي ريف الحسكة الجنوبي والغربي، فحصلت على تمويل كبير من هذه المنطقة الغنية بالبترول.

تعرضت "جبهة النصرة" لضغوط شعبية كبيرة لتغيير اسمها ومسارها، وخطابها السياسي، وهو ما تحقق في يوليو/ تموز 2016، مع إعلان زعيمها أبو محمد الجولاني فكّ ارتباطها بتنظيم "القاعدة" وتغيير اسمها إلى "جبهة فتح الشام". ولكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع المجتمع الدولي بتغيير تعاطيه مع الجبهة، فبقي على عدائه تجاهها، وهو ما تجلّى بغارات جوية من التحالف الدولي والجانب الروسي استهدف قادة الصف الأول فيها. وفي يناير/ كانون الثاني 2017، اقتتلت الجبهة مع فصائل تابعة للمعارضة السورية في شمالي غرب سورية، معلنة عن اندماجها مع فصائل أخرى تتشارك معها في المنهج والرؤية في "هيئة تحرير الشام"، والتي تولّى قيادتها الجولاني أيضاً. تقلصت المساحات التي كانت تسيطر عليها الهيئة فخرجت من جنوب سورية وريف دمشق وريف حمص الشمالي ومن حلب وريفها، ولم يبق لها إلا الجزء الأكبر من محافظة إدلب وجانب من ريف اللاذقية الشمالي. وأكدت مصادر عسكرية مطلعة لـ"العربي الجديد" أن الهيئة لم تضع ثقلها العسكري كله في الحملة الأخيرة، مشيرة إلى "أن الهيئة تملك أكثر من 70 دبابة لم تزجها في القتال الذي أدى إلى سيطرة النظام على أجزاء واسعة من ريفي حماة وإدلب".