مصر ونصر أكتوبر الذي كان

19 أكتوبر 2019
الصورة

جنود مصريون في قناة السويس (6/10/2019/Getty)

+ الخط -
لعل من أخطر ما قاله رئيس النظام الانقلابي المصري، عبد الفتاح السيسي، أخيرا، في الندوة التثقيفية في ذكرى نصر السادس من أكتوبر، إن الجيش المصري يحارب الإرهاب منذ ست سنوات، من دون أن يطلب تبرعات من الشعب، أو أن يدعم فنانون في الداخل والخارج المجهود الحربي بحفلات فنية وما شابه. 
ومع الإقرار بأن سيناء تشهد حوادث مريرة، يروح ضحيتها جنود مصريون أبرياء، إلا أن هذه الحوادث، مع تكرارها، ووعد السيسي السابق بالقضاء عليها من دون تنفيذ، ومع استمرار إهراق الدماء، على نحو أكثر من مرير، ذلك كله يُبقي أسئلة بالغة الحرج والدقة بشأن حقيقة الإرهاب الذي يتذرع النظام الانقلابي به، لهدر مزيد من دماء المصريين، وهل ما يحدث في سيناء حوادث إجرامية غادرة، لا تتدخل الدولة البوليسية القائمة في البلاد فيها، إلا بإذكاء نعرات القصاص بين المصريين، وهي النعرات المرفوضة، حتى ولو قام بها مظلومون، لأنها تسلم مصر لمزيد من الفوضى، بل للسقوط والانهيار، وهو ما يرفضه كل وطني مخلص، أم أن النظام مسؤول عن سقوط الأبرياء في سيناء من المواطنين والعسكريين، بافتعال حوادث إرهابية لإبقاء البلاد في دوامة الحوادث الدموية والرد الأبشع عليها من تصفية لأبرياء، أو الذين لم تثبت إدانتهم؟
ومما سبق، يبقى أن الانطلاق مما يحدث في سيناء، ومصر كلها، لتعزيز أن مصر اليوم في "حرب استنزاف"، كما كانت عقب هزيمة 1967 حتى حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وتحتاج معونات وإعانات داخلية شعبية، هو تعمد لتلبيس ترهات وأراجيف وتدليس، وما هو أخطر من أكاذيب ثوب الحقائق أو البديهيات أو المسلمات. والسيسي الذي حرص، في الندوة التثقيفية، على محادثة الحاضرين وهو يوليهم ظهره، في إهانة متكرّرة منذ توليه الحكم، لكبار أنصار نظامه ورجالاته، وتأكيد مستفز على أنه لا يرى أحدًا في شعبه يستحق أن يلتفت إليه حين يحدّثه، لا من مؤيد أو مخالف، السيسي يؤكد، بمثل هذه الأراجيف، وطريقة إلقائها، أنه ماضٍ في السيناريو الركيك لإسقاط مصر حتى النهاية، وإنه لا يُقصرُ في سبيل الإعلان عن مخططه الجهنمي.
يؤكد قائد النظام المصري العسكري مجددًا في هذا القول أن الانقلاب الذي يحكم مصر عمَّ كل 
ذرة من ترابها، ووصل إلى أدق مفاهيم الحق والباطل، والعدو والصديق، والمقاتل والمسالم. وأن الرجل يواصل افتراءاته، مؤكدًا ان "جيش مصر"، وليس شخصه القليل، يواجه حربًا داخلية سمّاها إرهابًا، وعدوًا مصريًا من داخل البلاد، بدلًا من العدو الصهيوني. وهكذا صار نظام حكم مصر عاما منذ يونيو/ حزيران 2012 ديمقراطيا، جاء به الصندوق الانتخابي، عدوًا بديلا عن العدو الذي خاضت مصر ضده حروب 1948، 1956، 1967، 1973، وضحت بآلاف من الشهداء في سبيل دحر مشروع صهيوني غادر. كل هذا أسقطه قائد الانقلاب من اعتباراته، وقال مجدّدًا إن "الإخوان المسلمين" هم أعداؤه وأعداء الجيش، في مسيرة منظمة للي عنق الحقائق والظلم والافتئات على الأبرياء الذين رقوه، ودفعوا به وزيرا للدفاع ورقّوه ترقيتين دفعة واحدة، ليكون جديرًا بالمنصب.
كان من المنتظر أن يعتذر السيسي، في تلك الندوة، عن قتل الجيش أبرياء مصريين جددا جنوب بئر العبد في شمال سيناء؛ وأن يعد بفتح تحقيق شفاف بشأن قتل ما يقدر بعشرة، على الأقل، من العمال البسطاء في مزرعةٍ، من دون ذنب أو جريرة، سوى أنهم يعيشون في سيناء التي يزعم نظام السيسي أنه يحارب الإرهاب فيها، فيما هو يرعى بذوره ويحرص على تنميتها، إن لم يكن بإثارة أسبابه، كما في حادثة الجمعة قبل حديثه بساعات، بالإهمال في الأرواح حتى لجنود الجيش وضباطه، وإن لم يكن حاكم مصر بالقوة يثير الإرهاب وينشره في الكنانة بالأمرين معًا، قتل الأبرياء والإهمال في الحفاظ على دمائهم معًا.
يستدعي الموقف في مصر استنهاض جهود كل مخلص شريف، من أجل البحث عن مخرج للوضع الحالي، داخل البلاد أو خارجها، مع تناسي الإحن والاختلافات والتنابذ، وأحيانًا المصالح حتى يسقط هذا الانقلاب، وبعدها فليجلس المقاومون ليأخذوا راحة محارب، ويعيدوا حساباتهم للمستقبل، وحينها لا يصبح نصر أكتوبر ذكرى تحاول الأنظمة تناسيها والقفز عليها، بل واقع مقاومة متجدّد لعدو الأول. الوحدة بين جميع مقاومي الانقلاب مطلوبة من كل عاقل واعٍ بحركة التاريخ والمقاومة، والباطل والظلم إن داما ساعة لن يستمرا حتى قيام الساعة.