مصر: كيف يواجه الشباب التطرف الديني؟

21 يوليو 2016
الصورة
(في القاهرة، تصوير: خالد دسوقي / 2012)
+ الخط -

قد يعتقد البعض أن الحديث عن مواجهة الشباب المصري للتطرف الديني بفاعلية، بعيدًا عن أحاديث المؤتمرات والندوات النخبوية، درب من الرفاهية، في ظل ما يواجهه الشباب من صعوبات حياتية، إلى جانب تضييق نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي على الحريات وتأميم المجال العام عبر إغلاق مؤسسات المجتمع المدني، واعتقال الحقوقيين المعارضين بل وحتى من ليس لهم توجه سياسي، ومنع نشطاء المجتمع المدني والحقوقي من السفر. لكن ما قد يعتبره ضربًا من الرفاهية هو ضرورة ملحة في ظل تنامي التطرف الديني في المنطقة العربية؛ سواء تحول هذا التطرف إلى عنف، أم بقي مجرد تطرف فكري.

ورغم أن اﻹسهام المصري في مجال التطرف الديني المسلح متواضع مقارنة بعدد سكان مصر، ومقارنة أيضًا بإسهام دول عربية أخرى كتونس مثلًا، إلا أن المجتمع المصري الضخم يظل مهدداً من ظاهرة التطرف الديني بكافة مستوياته، خصوصاً في ظل اﻷوضاع الحالية. ما يطرح سؤال كيف يستطيع الشباب المصري المساعدة بفاعلية في مواجهة التطرف، في ظل اﻷوضاع الحالية؟


مواجهة اﻻستبداد السياسي
يرى الباحث في علم اﻻجتماع السياسي، شريف محيي الدين، أن مشاركة الشباب بفاعلية في مواجهة التطرف الديني، في ظل النظام السياسي الحالي، هي أمر في غاية الصعوبة، وأن محاولة المشاركة محكوم عليها بالفشل التام. فمواجهة التطرف تتطلب وجود ديمقراطية حقيقية وفتح المجال العام والسماح للشباب بإطلاق طاقاتهم والتعبير عن أنفسهم. كما أن الحديث عن كيفية مواجهة التطرف بشكل فعال وحقيقي يتطلب سياقاً عاماً مستقراً يسمح بالمناقشات والرأي والرأي اﻵخر، وهو غير متوفر في الحالة المصرية حيث السياق العام ﻻ يشجع على أي عمل مجتمعي إطلاقًا.

ورغم التشاؤم الذي قد يبدو من رؤية شريف محيي الدين، إﻻ أنها تشير بوضوح إلى كيفية مشاركة الشباب في مواجهة التطرف؛ فيما أن اﻻستبداد السياسي والنظم غير الديمقراطية هي العقبة الرئيسية في مكافحة التطرف واﻹرهاب بشكل فعال، فإن مواجهة الشباب لهذه اﻷنظمة والعمل على تغييرها- تغييرًا حقيقيًا وليس شكليًا- بشكل سلمي، هي الخطوة اﻷساسية في مكافحة التطرف، وإظهار أن هناك طريقًا آخر للتغيير غير العنف.

في هذا الصدد، تمكن اﻹشارة إلى أن تنامي ظاهرة التطرف مرتبط أساسًا بفشل/ تعثر ثورات الربيع العربي في التغيير السلمي. فالنجاح في إحداث تغيير، حقيقي وليس شكلياً، عبر الوسائل السلمية هو بالضرورة هدم ﻹحدى المسلمات التي تقوم عليها جماعات العنف الراديكالية التي تقول إن التغيير ﻻ يتم إلا بقوة السلاح.


ﻻ تتوقفوا عن الكلام
يرى الباحث السياسي عمر سمير خلف، أن التطرف في الفكر لا يواجه إلا بجهد مجتمعي رهيب لتفكيك التراث، والتطور التاريخي للمجتمع لا يكون إلا عن طريق الجامعات والنقاشات المجتمعية الحية لكي نهدم الصور النمطية ونبدأ بالتعامل مع ذواتنا كآدميين لهم الحق في العيش الكريم وفقط دون غض النظر عن الاختلافات بل تقبلها بكل تفاصيلها كواقع وكضرورة إنسانية.

ويضيف خلف أن التطرف في الفكر لا يتحول إلى عنف إلا في ظل انسداد الأفق السياسي وضعف المؤشرات الاقتصادية والاستقطاب الحاد كعلامات على صراع ممتد موجود أو محتمل. وأنه لا قضاء على التطرف في الفكر دون تجاوز الخطابات الهوياتية ودون عدالة اجتماعية حقيقية تناقش الجذور الأساسية للظلم الاجتماعي السائد ودون سياسات تصحيحية تتضمن عدالة توزيع مكانية بمؤشرات وأرقام.

حديث الباحث عمر خلف يشير إلى أهمية دور النقاشات المجتمعية في مواجهة التطرف، لكن في ظل اﻷوضاع الحالية، كيف يمكن أن يتم نقاش مجتمعي كهذا؟ في الحقيقة نقاشات كهذه تتم كل يوم تقريبًا- خاصة عقب كل حادث إرهابي في أي دولة في العالم- على منصات التواصل اﻻجتماعي؛ فهذه المنصات أتاحت للشباب أن يعبروا عن آرائهم في كل شيء، وعلى هذه اﻷشياء الدين والتراث الديني الذي تستند إليه جماعات العنف الراديكالية، وهو ما يفتح نقاشات مطولة عن النصوص الدينية وتفسيراتها، والتراث الديني ومدى ملاءمته للواقع المعاصر. وما يميز هذه النقاشات أنها تتطرق إلى مواضيع محظور الحديث عنها مجتمعيًا، كالمثلية الجنسية والإلحاد وغيرهما.

هذه المناقشات، وإن كانت تبدو للبعض مجرد ثرثرات بلا فائدة أو قيمة، إلا أنها تظل مهمة جدًا في التواصل مع اﻵخر وإيصال رسالة "أنه يوجد رأي آخر ورؤية أخرى". ومجرّد تبادل اﻵراء ووجهات النظر هو بالضرورة يصب في صالح مواجهة التطرف، ويساهم في تقليل حدته، وبث الشك في يقين المتطرف بما يدافع عنه.


التعليم غير التقليدي
يرى الباحث السياسي محمد العربي أن التعليم هو مفتاح أساسي في بناء استراتيجية اجتماعية لمكافحة العنف والتطرف، والأمر في هذه الصدد لا يتعلق بعملية التركيز، من خلال الوسائل التعليمية التقليدية، على الشعارات التـي تقترب من البروباغندا السياسية وربما الدينية. الأمر متعلق بإعادة بناء التعليم على أساس تطوير أدوات التفكير النقدي القائم على الرفض الدائم للحقائق أو "الثوابت" التـي تشكل كل الدوغمات التـي يقوم عليها التطرف بأشكاله المختلفة.

ويضيف أنه ينبغي أن يتم استهداف بناء التعليم على مفهوم الثقافة "العليا" التـي تسمح بدرجة أكبر من التواصل الإنساني بين كل جماعة إنسانية بحيث تتلاشـى أو تخفت فكرة الآخر وأفكار السمو الإثنـي والثقافي أو الدينـي لدى كل جماعة في مقابل ازدياد القدرة على التعاطف واحترام الآخر وتقديس الحياة الإنسانية؛ فالأدب والفن والجماليات، كل لها ملكات تقارب من الوجدان الإنساني على اختلاف الثقافات.

ووفقًا لحديث العربي، فإن الشباب يستطيع المشاركة بفاعلية في مواجهة التطرف عبر هذه الوسيلة؛ فصناعة المحتويات التعليمية التـي تسمح بدرجة أكبر من التواصل الإنساني بين مختلف الجماعات اﻹنسانية وتجاوز المفاهيم العنصرية وأفكار السمو بمختلف أشكالها، وهو أمر سيجدي نفعًا، خاصة مع اﻷجيال الشابة التي لم تتحدد توجهاتها بعد، والتي أصبحت تعتمد على اﻹنترنت ومنصات التواصل اﻻجتماعي بشكل أساسي في حياتها.
 

دلالات