مشروع الاستبداد العربي للكوميديا

09 مايو 2020
الصورة

(معمّر مكي)

على الرغم من إجرامها الذي لا شك فيه، إلا أن أنظمة الاستبداد العربي دخلت في منافسةٍ لافتة، وإتحافنا بطرائف ومواقف كوميدية تثير الضحك. جديدها صدر عن دول حصار قطر التي حاولت إلهاء شعوبها عن الأزمة الاقتصادية، وإجراءات التقشف التي ستفرض، بإطلاق هاشتاج عن إطلاق نار ومحاولة انقلاب في منطقة الوكرة في الدوحة، مع نشر فيديوهات مفبركة من أماكن أخرى، أو فيديوهات من الدوحة مع تركيب أصوات إطلاق نار عليها للإيحاء بوجود اشتباكات. وهو أمرٌ بائس، لأن صلاحيته لن تدوم سوى ساعات حتى تنكشف الكذبة.
قد يكون من المفهوم أن يشارك الذباب الإلكتروني والحسابات الوهمية في ترويج تلك الأكاذيب المضحكة، ولكن المفارقة أن صحافيين من المفترض أنهم كبار، ويعملون في مؤسسات إعلامية من المفترض أنها كبيرة، شاركوا في هذا البؤس، وتحولوا إلى ذباب ينشر معلوماتٍ مضللة، مستخدماً مقاطع فيديو مزيفة، وصور طائرات حربية في تدريب، من دون الالتفات إلى أنهم ينتحرون مهنيا، ويضحون بأي بقايا مصداقية من الممكن أن تكون ما زالت فيهم.
اللافت أن الكذبة مفضوحة بسهولة، ومع ذلك كان هناك إصرار طوال ساعات على نشر تلك الهلاوس بواسطة الذباب الإلكتروني بدون سبب مفهوم، وقد انتهت فجأة كما بدأت فجأة. ربما كان الذباب في حاجةٍ إلى إثبات فائدته لأسياده، والإيحاء بأنه لا يزال يعمل ويقدّم خدمات مفيدة، ولكن الواقع أن ذلك أثبت أنهم بائسون إلى أقصى درجة. أما عندما نتمعّن في الهاشتاج نفسه والحسابات التي تردّده، سنجد أنها حسابات تروج منتجاتٍ استهلاكية، مثل الملابس والأطعمة والخدمات
 وحميات التخسيس! بحيث تتم كتابة التغريدة الدعائية للمنتج، وتحتها الهاشتاج الكاذب. وهو أمر يشبه الوثيقة المفبركة التي نشرتها قناة العربية عن مكافآت مذيعي قناة الجزيرة، لكنها بدلا من أن تترجم كلمة "يعتمد" إلى Approved ترجمتها إلى Depends! وكانت وسائل الإعلام نفسها، والحسابات "الذبابية" نفسها، قد نشرت قبل أيام خبرا كاذبا عن وفاة قطري في سجن الهامور في الدوحة، وبثت قناةٌ مصرية مشاهد من مساكن للعمال، باعتبارها من هذا السجن المزعوم الذي لا وجود له.
انقلاب آخر في ليبيا، لكنه تلفزيوني كعادة الجنرال خليفة حفتر الذي أعلن انقلابات سابقة لم يكن لها أي أثر يذكر. وأخيرا أعلن تنفيذ سيناريو مصري شديد الرداءة، بالدعوة إلى "تفويضه" باستلام السلطة، ثم إعلان قبول التفويض الوهمي، في مشهد مثير للضحك أكثر مما هو مثير للامتعاض، خصوصا أنه يتزامن مع هزائم متلاحقة تتلقاها قواته في عدة محاور، اقتربت من خلالها أحلامه في حكم ليبيا من النهاية. ولذلك، هذا الإعلان هو والعدم سواء، وليس له أي تأثير، وحتى حلفاؤه في برلمان طبرق رفضوا الحماقة التي أعلنها، كما ارتبط حفتر نفسه بعدة طرائف، مثل احتفال جنوده بإسقاط طائرةٍ تابعةٍ لهم، اعتقادا منهم أنها تركية! وإعلان "ساعة الصفر" أربع مرات لاقتحام العاصمة طرابلس، وترقية نفسه إلى رتبة المشير، من دون أن يخوض أي معركة خارجية، بل هزم عدة مرات ووقع أسيرا ذات مرة في تشاد. وليكتمل المشهد الهزلي بين حفتر وداعميه، تسابق مغرّدون سعوديون وإماراتيون في إعلان دعمهم حفتر، وكأنهم مواطنون ليبيون، أو كأن دعمهم هذا سيقلب الموازين.
تكرّر السيناريو نفسه في اليمن، عبر إعلان المجلس الجنوبي الانتقالي المدعوم إماراتيا الحكم الذاتي ومحاولة الاستيلاء على مؤسسات الدولة في جنوب البلاد، في ظل عجز مزمن لدى السلطة الشرعية والرئيس عبد ربه منصور هادي المقيم في السعودية عن المواجهة، وهو ما دعا أحدهم على "تويتر" إلى التعليق بأن إعلان المجلس "شخص مقيم في أبو ظبي أعلن الانقلاب على شخص مقيم في الرياض"!
وفي مصر، فوجئنا بمقترح من الأكاديمية الطبية العسكرية بتحويل الصيادلة إلى أطباء بشريين،
 في محاولةٍ لتعويض النقص في الأطباء الذين قدموا استقالاتهم، وسافروا للعمل في الخارج، نتيجة الظروف السيئة التي يواجهونها في مصر، وعدم تقديرهم بالقدر الكافي. وهو مقترح ردّت عليه نقابة الأطباء بالقول إنه "لا توجد أي سابقة لذلك في تاريخ مهنة الطب الحديث". وهو مقترحٌ يأتي استكمالا لمهزلة إدارة أزمة جائحة كورونا في البلاد، والتي لا علاقة لها بالمنطق أو العلم، ففي وقتٍ تزداد وتيرة الإصابات وعددها، يصدر قرارٌ بتخفيف حظر التجول وعودة العمل في المصانع ومؤسسات عديدة، وغيرها من القرارات المشابهة التي تجعل الأمر أقرب إلى الملهاة منه إلى المأساة.
وغير بعيد عن مصر، أعلن رئيس مجلس السيادة في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في فبراير/ شباط الماضي، أنه استخار الله قبل لقاء رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، وكأنه سيحرّر القدس مثلا، أو يعيد أمجاد الأمة إلى سابق عهدها، ما يجعلنا نشك في أن روح معمر القذافي قد تلبسته.
كان متوقعا أن يكون هؤلاء أخطر بكثير مما ظهروا به في الحقيقة. كنت أعتقد أن لديهم مخططات معقدة، شريرة لكنها خطيرة، ويمكن أن تقلب الموازين فعلا، ولكن اتضح أنهم يتنافسون في إضحاكنا، وأصبحت فضائحهم على كل لسان.