مشاهدة سينما النجوم مجاناً

11 يوليو 2020
الصورة
عدنان أوزار (تصوير: طلحة مانتيش)

بالقرب من حيّ أيوب

الأطفال الذين يشمّون الورود والموتى 
تحت شجرة السَّرو في حيّ أيوب
شربوا قليلًا، وشربوا كثيرًا ثم مرّ الوقت
لا بدَّ أن صُورُهم الآن في بيوت المهاجرين
-معلّقة على مرآة بلا خزانة-
وفي مقاهي المهاجرين.

بالنسبة إلى هؤلاء
فإن نهر "تونا" يصبّ في الخليج قادما من مراعي "تشورلو".

كانوا يذهبون إلى مباريات كرة القدم، وإلى بيوت بائعات الهوى
وعندما تُذكر كلمة "التاريخ"، يوجعني خصري!
وعندما يُقال "التاريخ"، فإنكم …
كم شربنا وشربنا… ومرَّ الزمان.

تحت شجرة السّرو في حيّ أيوب
مشاهدة سينما النجوم مجانًا.


■ ■ ■


الأغنية الثالثة

في هذه الأيام أتذكر حيَّنا القديم؛
والطفولةَ التي كان يفرّ  منها النومُ ولا تعرف الانتهاء
أرى الهالات المجنونة التي تشرب ضوء القمر في النحاس البرّاق.
وأرى الدرويش على بابي مرتديًا عباءته
ويسألني: 
إلى أي شيء تحنُّ؟
أنت غريبٌ عما تحنُّ إليه،
ولم تستطع بناء عائلة
وفي داخلك وحدة كاسِرة.

ماذا أريد من جذوري التي لم أستطع الوصول إليها؟
وإلى أين أذهب هكذا مثل أحمقَ متشرّدٍ؟

لقد ماتت أُمي أيضًا التي ضُفِر شعرها في البلقان
كانت كالمَرعى الذي هاجمه الصقيع،
كانت حادّة، وجذّابة،
ما زالت تَصُفُّ أوراقَ التبغ في لياليَّ ورقةً ورقةً
ليلتي تصير ورشتي، وسطوري يضبطها الكبرياء.

أُحاول أن أكتب أشعار المهاجرين دون أن أُجنّ
بسطورٍ متعالية أمام القمر
ودون أن أُجنَّ، أُفكّر في بلدٍ بعيد
وأَحِنُّ إلى ذرّاتِ التُّراب المُتصاعدة من القطار.

ليس للسنونو أن يبني عشّه فوق العرائش الغريبة
سيكون سعيهُ في الفراغ
مثل مُقيَّدٍ تأتيه الضربات بلا توقف.

في الهزيع الأخير من عمري الذي مرّ هباء
أحنّ إلى أيامِ حيّنا القديم

وأخيرًا أقول لهمومي التي ربحتُها من حياتي:
اهربي من الحب، 
ولتنطفئ شمعة الحب الأخير.

من بلادي، أخذتُ هذه السِّمات، 
يقولون عدنان أوزار: 
أحمقَ من الحنين، متشردًا بلا وطن
وما زالت عيناه على النحاس البرّاق.


■ ■ ■


الغجري الذي يبحث عن المقدونية الجميلة 

امتدت حرائقُ القشّ حتى إلى الورود البرية
سألتُ جامعي السنابل بعد حصادها
سألتُ وسألتُ وسألت حتى توقفت

كانت الدموع الزرقاء تتساقط على صدري السّماوي

سألتُ الصيادين المهاجرين
سألتُ وسألتُ وسألتُ حتى توقفت

مررتُ من حقول الكتّان لاهثًا
سألتُ جامعي الكمثرى البريّة بعد حصادها
سألتُ وسألتُ وسألتُ حتى توقفت

مشيتُ حول نهرٍ محاطٍ بالبوص في الساحات الخضراء
سألتُ من يجمعون ما تبقى من الغلال
سألتُ وسألتُ وسألتُ حتى توقفت

سألتُ عنكِ
والعساكر يربطون يديّ

كانت نُزُل "تيكير داغ" تحترق
في طرقات عربات الأحصنة 
ونهر حسن آغا يُرسل القرنفل من "أرجانا"

سألت نساء يحملن صُرَرهنّ
وسألت القِماشَ القادم من اليمن
والخَرَزَ الدمشقي

سألتُ عنكِ
سألتُ وسألتُ وسألتُ حتى توقفت. 


■ ■ ■


الأمطار المائلة

لو أبدأ الزمن مرّة أُخرى
من أول الأيام التي بقيتْ تحت الأمطار المائلة
كنتُ سأهمس في أُذنه 
بأنني لن أنتظر منه أشياء كثيرة هذه المرّة
لو توقفت الأيام، 
واستدرتُ لنبع الضوء قبل أن يدير ظهره لي. 

أما زالت الأمطار المائلة وأيامي المريضة في سياجٍ دائري
التي في إحدى جوانبها ضوء، وفي الأُخرى ظلال؟
كانت "تراقيا" تذرف الأمطار المائلة
وكان هذا خيالًا مثل لون الزُّجاج الذي أتطلع من خلفه، وحقيقةً كالزُّجاج!
ومثلي كان قلبُ تراقيا مكسورًا.

الأمطارُ المائلةُ والسياجُ الدائريُّ كانا يتّجهان نحو الموت
لكنكم تسرّبتم من حكايتي القصيرة منذ زمن بعيد
وأول سفري صار منفى!

أمطار تراقيا المائلة
في كل خريف تتساقطُ ذكراها في نَفْسي
بينما أقِفُ خلف نوافذ أخرى.


■ ■ ■


صفيحة

الذي تبقّى منّي 
هو طائرٌ مِنْ ورق
في البحر الأصفرِ، 
بحرِ الطفولة الفقيرة.

في حيّ بنغلاديش بإسطنبول
أحببتُ دينًا مئذنته من الصفيح،
مؤذّنه محتالٌ قديم
ولكم أن تتخيلوا…

نادينا كثيرًا على "سراي بورنو":
طرزان في موقف صعب!

حكايتي أكثر غرابة من حكايات المتسكّعين:
كان لديّ قردٌ بنصف ذيل
أخذتُه من فيلم المتسكّع في "سينما الحمراء"
ويومًا ما تعلّق القرد لبلابَ المقهى 
وتركني وهرب؛
لقد علّم السكارى في "جان كورتاران"
أن طرزان في موقف صعب!

في الأحياء العشوائية بإسطنبول
أحببتُ التّمرد في مزهريات الصفيح 
حتى الصبية هنا، كانوا متشرّدين
ولكم أن تتخيلوا... 

ربما لم يُكتب على الجدران أبدًا
لكن طرزان حقًّا في موقف صعب. 


* Adnan Özer أحد أبرز الشعراء الأتراك المعاصرين. ولد في مدينة تاكرداغ التركية عام 1957، درس الصحافة في جامعة إسطنبول، وعمل في عدد من الصحف والمجلّات التركية؛ من بينها مجلة "غينداش" التي ترأس تحريرها في التسعينيات. من إصداراته الشعرية" "الأسلحة النارية" (1981)، "حشرجة الموت" (1982)، "توقف الرياح" (1985)، "خريطة الزمان" (1991)، "قصائد الوداع" (1998)، "أغاني الطريق" (2016).

** ترجمة عن التركية: أحمد زكريا وملاك دينيز أوزدمير