مسيرة سلام هلمند ـ كابول... شباب أفغانستان ينتفض

مسيرة سلام هلمند ـ كابول.. شباب أفغانستان ينتفض

23 يونيو 2018
الصورة
أعضاء من المسيرة في كابول (وكيل كوهسار/فرانس برس)
+ الخط -



تحوّل إقليم هلمند إلى أكثر الأقاليم الأفغانية تضرراً جرّاء الحروب الدامية. سكانه يدفعون أثماناً باهظة في الحرب، من قتل وجرح وتشريد وتدمير الحقول والمزارع، علاوة على إضاعة الشباب من خلال حمل السلاح مع الجماعات المسلحة. وكان المثقفون في انتظار فرصة لأجل التحرك ضد الحالة المأساوية، حين وقع انفجار داخل ملعب في مدينة لشكر كاه مركز الإقليم في 13 مارس/آذار الماضي، أدى إلى مقتل 15 مدنياً في تلك الفرصة، وكان ذلك نقطة انطلاق لحركة شعبية وصلت أصداؤها إلى جميع الأروقة وأصبحت حركة شعبية لم تشهد أفغانستان مثلها طيلة العقود الأربعة الماضية، شعارها "العودة للسلام الرافض للمصالحة عدو للشعب".

غداة يوم الانفجار قام شباب من مدينة لشكر كاه بنصب خيمة صغيرة في موقع الحادث طلبوا فيها من الحكومة وحركة "طالبان": "العودة إلى الحوار والعمل لوقف حمام الدم". ومع مرور الأيام امتدت ظاهرة الاعتصامات داخل الخيم إلى المدن المركزية في جميع الأقاليم الجنوبية والعاصمة كابول. مكث الشباب أسابيع داخل الخيم، وانضمت لها النساء ومئات القبليين ولكن من دون جدوى. الحكومة لبت دعوتها من البداية ولكن "طالبان" ادّعت أنها "مؤامرة استخباراتية ضدها"، وطلبت من الشباب "مواجهة أميركا لأنها احتلت أفغانستان". ورغم ذلك تحرّك هؤلاء الشباب إلى مناطق سيطرة "طالبان" ومكثوا فيها أياما عدة، لكن كل ذلك لم يغيّر من موقف الحركة الرافض للحوار مع الحكومة، والداعي إلى الحوار المباشر مع الأميركيين.

بعد أن يئس هؤلاء أدركوا أن لا جدوى من خيمهم فقرر بعضهم الذهاب إلى كابول سيراً على الأقدام. فتحرّك سبعة شباب من مدينة لشكر كاه، سموا أنفسهم "مسيرة سلام"، حاملين معهم زاد الطريق. وكما قال المتحدث باسمهم، بسم الله وطندوست، إنهم "ما كانوا يظنون أن مسيرتهم ستلقى كل هذا الاستقبال ليس من قبل الشعب وحده، بل حتى من قبل مسلحي طالبان  وجنود الجيش".

ولما وصل الشباب إلى قندهار، كان منظمو خيم الاعتصام في انتظارهم ورافقهم بعضهم. وهكذا كان الحال في جميع الأقاليم الجنوبية، حتى وصل عدد هؤلاء الشباب إلى 100 شخص عند وصولهم إلى كابول. قطع هؤلاء مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام وواجهوا مشاكل كبيرة خصوصاً خلال شهر رمضان، والتقوا بأكثر من 100 ألف شخص، منهم القبليون وقيادات الحركة وضباط الجيش والشرطة ومسؤولون في الحكومات المحلية. الجميع رحّب بهم واستقبلوهم في مراكزهم وقدّموا لهم الطعام والشراب.



في هذا السياق، قال المتحدث باسم المسيرة بسم الله وطندوست لـ"العربي الجديد" إنه "في الطريق رأينا مشاهد ستحتفظ بها ذاكرتنا طيلة التاريخ، تؤكد أن أطياف الحرب كلها تعبت من الحرب. لقد رأينا مقاتلاً في طالبان حين تحدثنا معه حول الصلح رمى ببندقيته على الأرض، وقال باكياً: "إننا نريد أن نعيش بسلام وأن يعيش شعبنا في أمن وراحة واستقرار"، مضيفاً أن "الحرب فرضت علينا ولا نريد أن نبقى مقاتلين طيلة الحياة". وأضاف وطندوست أن "ضباط الجيش وجنوده رحّبوا بهم في الطريق أيما ترحيب طمعاً في أن تؤدي المسيرة إلى وقف حمام الدم". أما الشعب والقبائل فكان الآلاف منهم ينتظرون المسيرة في كل منطقة وإقليم حتى وصلوا إلى كابول.

ورغم أن "طالبان" اعتبرت أن "المسيرة لعبة استخباراتية ضدها"، إلا أنها لم تتعرض لها في الطريق بل استقبل مقاتلوها أعضاء المسيرة، ظناً منها أنهم سمعوا دعوتهم بالذهاب إلى كابول، مكان تمركز القوات الأميركية، بدلاً من التوجّه صوب مناطق خاضعة لسيطرتها، لأن الحرب فرضت عليها من خلال احتلال الأميركيين لأفغانستان.

أما الحكومة فساعدتها منذ اليوم الأول، واستقبلهم الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زاي في اليوم الأول من وصولهم إلى كابول. وهناك واجه مطالب المسيرة، التي خاطبه فيها أحد أعضاء المسيرة، إقبال خيبر، وقال له "لن تغادر المكان حتى تردّ على مطالب المسيرة وهي: إعلان وقف إطلاق النار لمدة شهر مع طالبان، وتعيين مرجع للحوار مع الحركة، وأن تعد بشراكة طالبان في الحكومة إذا ما تصالحت وأن تعمل لإخراج القوات الأجنبية". فأجاب الرئيس قائلاً "إني أعلن وقف إطلاق نار مع طالبان لمدة عام شرط أن تقبل هي ذلك، أما المرجع فأنا مستعد بأن ألتقي بزعيم الحركة هيبت الله أخوند زاده بوساطتكم أنتم، وكما أني أعطيت نصف الحكومة لمعارضي، من الممكن أن أعطي نصف الحكومة لطالبان. أما القوات الأجنبية فقد خرجت جلها وأنا مستعد أن أعمل على الملف شرط أن تعود طالبان لطاولة الحوار".

عليه قال وطندوست، إنه "بعد أن تلقينا جواب الحكومة وجّهنا رسالة إلى طالبان نطلب منها إعلان وقف إطلاق النار مع الحكومة لمدة شهر، كي تسنح الفرصة للحوار بين الطرفين، وننتظر جوابها، غير أننا نعمل على الخطة المستقبلية في حال رفض الحركة لمطلبنا. سنقوم حينها بتنظيم اعتصام أمام خمس سفارات نقول فيها إنها وراء الحرب في أفغانستان أو أنها تدعم الحركة والجماعات المسلحة بصورة أو أخرى. وهي أميركا وبريطانيا وروسيا وإيران وباكستان. وسيستمر الاعتصام حتى نصل إلى هدفنا"، موضحاً أن "أعضاء المسيرة سينظمون الاعتصامات ونطلب من الشباب المشاركة فيها".

وادّعى وطندوست أن "إعلان الحكومة وقف إطلاق النار من 27 رمضان حتى خامس أيام عيد الفطر وتمديدها لمدة عشرة أيام أخرى بعد ذلك، كذلك إعلان طالبان وقف إطلاق النار خلال أيام العيد، كان نتيجة حركتهم، لا سيما أن وقف إطلاق النار خلال العيد أثبت أن الشعب والمقاتلين من الطرفين توّاقون للمصالحة".



المساهمون