مراكز عبور ألمانيا... ابتكار جديد لرفض المهاجرين الجدد؟

12 يوليو 2018
الصورة
في واحد من مراكز العبور (ألكسندرا بيير/ Getty)

إجراءات جديدة تطاول المهاجرين طالبي اللجوء في ألمانيا وفي أوروبا عموماً. وتظهر الأزمة واضحة في برلين على خلفية تلك الإجراءات، بين من يتقبّل هؤلاء الوافدين ومن يرفض وجودهم.

تسبّب البند 27 من خطة الهجرة الشاملة لوزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر في خلاف مع المستشارة أنغيلا ميركل، ووصل الأمر إلى حدّ نسف الائتلاف الحكومي بعدما رفضت ميركل وحزبها البند الذي ينصّ صراحة على توجّه لرفض المهاجرين الذين يلتمسون الحماية، في حال سبق لهم أن تقدّموا بطلب اللجوء في دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي. ورأى 
الحزب المسيحي الديمقراطي أنّ ألمانيا لا تستطيع الوقوف في وجه مجموعات معيّنة من المهاجرين بشكل مباشرعند الحدود وحدها من دون تنسيق مع الشركاء في الاتحاد الأوروبي. 

يُذكر أنّ ميركل تمكّنت في قمة بروكسل نهاية الشهر الماضي، من التوافق مع بعض الزعماء الأوروبيين للعمل على صياغة اتفاقات ثنائية لاستعادة المهاجرين المسجّلين لديهم وكذلك للحدّ من الهجرة الثانوية. وكان ذلك قد لقي رفضاً في بادئ الأمر من قبل زيهوفر بحجة أنّ ما حققته ميركل "غير فعال".

وقد استدعى ذلك خلال الأسبوع الماضي عقد اجتماعات ماراتونية لقيادات الاتحاد الاجتماعي المسيحي أوّلاً، قبل أن يعود الحزب الاشتراكي الديمقراطي الشريك في الائتلاف الحكومي ويشارك في طرحه كذلك. ونضج اتفاق الهجرة بصيغة ترضي كل المكونات، واعتمد الحلّ الذي يقوم على إنشاء مراكز عند الحدود مع النمسا إنّما بشروط. واصطلح على تسميتها "مراكز إجراء العبور" بدلاً من "مراكز العبور" إرضاءً للحزب الاشتراكي الديمقراطي.

وتقتضي الإجراءات المقرر اعتمادها عند الحدود مع النمسا، تأكد الشرطة الاتحادية أوّلاً ممّا إذا كان الوافد طالب اللجوء قد تسجل في بلد أوروبي آخر عن طريق النظام الأوروبي المعتمد على بصمة الأصابع (يوروداك) ليصار بعدها إلى التواصل مع الدولة الأوروبية المعنية باسترداده. وفي حال الرفض أو عدم الردّ سوف يجري العمل على التماس طلب لجوئه في ألمانيا.

على الرغم من ذلك، فإنّ مراكز عبور المهاجرين تطرح أسئلة عدّة من الناحيتَين القانونية والعملية، لا سيّما أنّ الاتفاق نصّ على إبقاء المهاجرين في تلك المراكز مدّة 48 ساعة فقط إلى حين التدقيق بطلبات لجوئهم، ليتقرر مصير كلّ حالة على حدة ويُتّخذ القرار بشأن إعادة مهاجر أو آخر مباشرة إلى البلد الأوروبي الذي التمس فيه طلب اللجوء وفقاً لاتفاقية دبلن.



في هذا الإطار، يرى خبراء في الهجرة أنّ الاستثناءات التي تضمنتها اتفاقية دبلن الثالثة تتطلب أكثر من 48 ساعة ليتقرّر مصير المهاجر. من تلك الاستثناءات أنّه في حال ادّعى طالب اللجوء أنّ ثمّة أفراداً من العائلة في ألمانيا سبق وتقدّموا بطلبات لجوء أو حصلوا على اللجوء بالفعل، فإنّ الأمر هنا يدفع في اتجاه الحديث عن الصلاحية القضائية للسلطات الألمانية، بالتالي يستغرق الأمر حكماً أكثر من يومَين.

تعاطف مع القصّر

إلى ذلك، فإنّ الاتفاقية تعاطفت كذلك مع القصّر من المهاجرين، وهؤلاء لا تجوز إعادتهم، علماً أنّ اختبارات كشف السنّ لهؤلاء صعبة جداً، خصوصاً أنّ نصف المهاجرين الوافدين حديثاً إلى ألمانيا ينتمون إلى تلك الفئة العمرية، بالإضافة إلى أنّ أسباباً أخرى تمنع قرار الرفض، ومنها أن يكون المهاجر من الأشخاص المعوّقين أو مصاباً بأحد الأمراض المستعصية أو المزمنة.

ما مصيرهما؟ (Getty) 


وثمّة تشديد على ضرورة إعطاء الحق لطالب اللجوء أن يوضح إذا كان يملك تصريح إقامة أوروبياً قانونياً في بلد آخر، مع الإشارة إلى أنّه من غير المعقول إعادته إلى ذلك البلد في حال برهن أنّه تعرّض فيه لتهديد أو لمعاملة غير إنسانية ومهينة. وثمّة أمثلة للمحاكم الإدارية في المجر واليونان، وبناءً على ذلك يبدو أنّ مدة 48 ساعة تبقى صعبة التحقيق وغير كافية للبحث، بسبب الحاجة إلى الحماية، في حين أنّ الأمر يتطلب تفاصيل إضافية قبل اتخاذ القرار المناسب.

في مقابلة تلفزيونية سابقة، وصفت ميركل مشروع الاتفاق بأنّه اقتباس من الفقرة الثانية من المادة 104 من الدستور التي تنص على أنّه لا يجوز من حيث المبدأ احتجاز أيّ شخص لمدة أطول من نهاية اليوم التالي لعملية الاحتجاز، أي 48 ساعة، ولا يمكن بعدها القيام بأيّ إجراء إلا بأمر من المحكمة، وينقل عندها المهاجر طالب اللجوء إلى مركز استقبال عادي. وقالت إنّ المنشأة المغلقة والحراسة تعنيان السجن، وهو ما لا يمكن تقبله في ألمانيا. وتعوّل ميركل على تعاون دول مثل اليونان وإسبانيا بخصوص الاتفاقات الثنائية لإعادة المهاجرين، وهي من صلب اتفاقية دبلن التي نصّت صراحة على إمكانية عقد الدول الأعضاء اتفاقات ثتائية أو ثلاثية تتعهد بموجبها دول الاستقبال الأولي باستعادة طالبي اللجوء المسجلين لديها مع توضيح الأحكام المتعلقة بآلية التنفيذ، على أن تجري مراجعتها من قبل المفوضية الأوروبية أولاً للتأكد من عدم تعارضها مع قواعد الاتفاقية المذكورة.

من جهة أخرى، تواجه ألمانيا اليوم رفضاً من قبل النمسا، الممر الرئيسي للمهاجرين إلى أراضيها، ويبدو أن تعنّت فيينا قد يصعّب المهمة على برلين أو يقطع الطريق على تنفيذ اتفاق الهجرة الأخير بين أطراف الائتلاف، فمن دونها يفشل عملياً ويهدد الاستقرار والتضامن في دول الاتحاد. وتأمل ميركل تحقيق خرق مع المستشار النمساوي سيباستيان كورس لتتمكن ألمانيا من إعادة المهاجرين عند الحدود الجنوبية. ويسلّط هنا خبراء في الشؤون السياسية والاجتماعية الضوء على مخاطر المغامرة وإعادة المهاجرين من دون انتزاع اتفاق مع فيينا، لأنّ ذلك سوف يتسبب في انتشار الفوضى في فضاء شينغن مع غياب الإقامات القانونية لهؤلاء المهاجرين وبعد خرق اتفاقية دبلن. ويطرح الأمر تساؤلات كذلك عن الإجراءات المعتمدة في المطارات، إذ إنّه وبحسب ما يبدو ثمّة اختلافات كثيرة، خصوصاً أنّ المهاجرين الذين يصلون عبر المرافق الجوية ليسوا عموماً من المهاجرين الذين جاؤوا من بلد ثالث في الاتحاد الأوروبي إنّما من خارج أوروبا، وهنا لا تطبّق اتفاقية دبلن.

يلاقي طرح إعادة المهاجرين طالبي اللجوء من على الحدود اعتراضاً (Getty)


اعتراضات

ويلاقي طرح إعادة المهاجرين طالبي اللجوء من على الحدود اعتراضاً من منظمات حقوقية وإغاثية رأت أنّ الاتفاق يناقض اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، وأنّ كل ذلك الضجيج بسبب خمس إلى عشر حالات يومياً. وتتوقف عند نقطة مفادها أنّه من دون السماح للمهاجرين بتوضيح واقعهم، فإنّهم سوف يقعون فريسة سهلة للمهرّبين ويكونون عرضة للابتزاز من قبل تجار البشر.

بدورها، شككت نقابة الشرطة الألمانية في الحل واقتصاره على الحدود مع النمسا، ورأت أنّه غير منطقي ومن شأنه أن يدفع المهاجرين إلى معابر برية حدودية أخرى تؤدي إلى ألمانيا عند حدودها، والبدائل حاضرة عند المهرّبين الذين سوف تزدهر تجارتهم أكثر في ظل سياسة التشدد الأوروبية، وسوف تصير بعد ذلك تدابير الشرطة الاتحادية في بافاريا وعند الحدود مع فيينا من دون طائل. وتؤكد نقابة الشرطة التزامها بتطبيق اتفاق الحل الوسط للهجرة الذي توصل إليه الائتلاف الحاكم.



وتثير القضية كذلك جدالاً حول الصلاحيات المحدودة الممنوحة لشرطة بافاريا، بعدما بات الأمر يتطلب اتفاقاً مع الشرطة الاتحادية ومن خلفها وزارة الداخلية، إلا أنّ الوزير المعني طمأن إلى سرعة وضع الخطوات التنظيمية لهكذا اتفاق مع شرطة بافاريا لتتمكن بعدها من المساعدة في مراقبة الحدود.

ويأتي كل ذلك في حين تتعرّض منظمات إنقاذ المهاجرين من مياه الأبيض المتوسط لضغوط واعتراض على أدائها واتهامها بتقديم التسهيلات لهم وجعلهم يطمئنون إلى مصيرهم في البحر للوصول إلى برّ الفردوس الأوروبي. وهذا ما جعل سفناً لها تُمنع أخيراً من نقل مهاجرين والإرساء في موانئ دول أوروبية من بينها إسبانيا ومالطا وإيطاليا، الأمر الذي استدعى تحرّكاً للجمعيات والأحزاب في عدد من المدن الألمانية شارك فيه الآلاف معبّرين عن تأييدهم منظمات الإنقاذ في البحر المتوسط وتضامنهم مع جهودها.

تجدر الإشارة إلى أنّ الأوساط السياسية في البلاد انشغلت الأسبوع الماضي بأرقام كشف عنها البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) عن قيمة تحويلات المهاجرين إلى بلدانهم، بناء لطلب من حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني الشعبوي. تبيّن أنّ الأرقام وصلت إلى 17.7 مليار يورو في عام 2016، فارتفعت الأصوات المطالبة بصدّ المهاجرين الاقتصاديين والعمل على التنمية المستدامة في الدول المصدّرة لهم. ورأى البديل من أجل ألمانيا أنّ المعونة الاجتماعية التي يحصل عليها طالبو اللجوء والذين يجدون عادة صعوبة في تأمين فرصة عمل، هي من أموال دافعي الضرائب من الألمان. لكنّ الحكومة ترى من جهتها أنّ تلك الأموال تصل إلى الأشخاص المعنيين في الدول النامية، وهذا ما يساهم كذلك في زيادة دعم عملية التنمية هناك ومكافحة أسباب الهجرة.