مذبحة إسطنبول: هل خلّفت الحملة على "الخدمة" ثغرات أمنية؟

مذبحة إسطنبول: هل خلّفت الحملة على "الخدمة" ثغرات أمنية؟

03 يناير 2017
الصورة
يقول البعض إن السلطات تعتمد على شرطيين حديثي التخرج(Getty)
+ الخط -
ليس من المبالغة القول إن تركيا باتت الضحية الأكبر للاعتداءات الإرهابية، أكان منفذها حزب "العمال الكردستاني" أو تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، والتي وصل عددها إلى 26 هجوماً عام 2016، لتبدأ تركيا عامها الجديد باعتداء دموي آخر قُتل فيه 39 شخصاً وجُرح أكثر من ستين آخرين، وسط ما يشبه التخلي الغربي عن حليفه في حلف شمال الأطلسي، في مقابل تصاعد التعاون الأمني بين الأتراك والروس، وبالذات في ما يخص الحرب السورية.
يأتي هجوم "داعش" الأخير على ملهى ليلي في إسطنبول بعد حوالي 6 أشهر من آخر هجوم نفذه التنظيم واستهدف حينها مطار أتاتورك في إسطنبول في يونيو/ حزيران من العام الماضي، وأسفر عن مقتل 43 شخصاً وجرح أكثر من مئتين آخرين، ليبدو التنظيم، بعد التدخّل التركي في شمال حلب لدعم عملية "درع الفرات"، عاجزاً عن القيام بأي هجمات. في الوقت الذي صعّد فيه "العمال الكردستاني" من هجماته لتزيد عن 12 هجوماً منذ بدء عملية "درع الفرات"، استهدفت بشكل أساسي قوات الشرطة والأمن والجيش التركي وأسفرت عن وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين. كان آخر هذه العمليات، الهجوم الذي تبنّاه تنظيم "صقور حرية كردستان" التابع لـ"الكردستاني" في مدينة قايسري واستهدف حافلة تابعة للقوات المسلحة التركية وأدى إلى مقتل 13 عسكرياً وجرح العشرات، وذلك بعد أسبوع من هجوم آخر نفذه أيضاً "الكردستاني" في منطقة بيشيكتاش في إسطنبول واستهدف قوات مكافحة الشغب في أحد الملاعب، ما أدى إلى مقتل 38 شخصاً وجرح 150 آخرين.
ليس أمراً عارضاً أن يأتي تصاعد الهجمات الإرهابية على تركيا مع بدء عملية "درع الفرات"، وذلك بما تمثّله هذه العملية من ضغط كبير على "العمال الكردستاني"، الذي تم تدمير أحلامه بفرض منطقة حكم ذاتي على كامل الحدود السورية التركية تشكل منطلقاً لعملياته ضد أنقرة، وعلى "داعش"، الذي تحوّلت درع الفرات إلى ضغط حقيقي عليه. ويضاف إلى هذه العملية تمكّن أنقرة بالتعاون مع موسكو من عزل "داعش" على الأراضي السورية، بما رفع الضغوط على التنظيم، مع توقّعات بأن يفضي وقف إطلاق النار، في حال استمراره، إلى تفرغ مختلف الأطراف سواء النظام أو المعارضة السورية لمحاربة التنظيم ومحاولة التوسع بأكبر قدر ممكن على حسابه، بينما يعاني الأخير من ضغوطات كبيرة على الجبهة العراقية في مدينة الموصل.

أما عن الهجوم الذي استهدف الملهى في إسطنبول، فقد توالت الإدانات من مختلف العواصم الغربية، وصدرت من واشنطن لوحدها أربع إدانات، واحدة منها من الرئيس باراك أوباما، حتى أن الإعلام البريطاني شهد تحوّلاً كبيراً في مقاربته لتركيا، بل إن اثنتين من أكثر الصحف الإنكليزية المعادية للحكومة التركية، "تايمز" و"إندبندنت"، دعتا في مقالات إلى زيادة التعاون الأمني مع أنقرة، والتوجّه إلى تركيا لقضاء العطلات في إطار إظهار التضامن مع الشعب التركي. وفيما تمكّنت السلطات التركية من تحديد هوية جميع قتلى الهجوم، تستمر التحقيقات لتحديد هوية المهاجم الذي لا زال طليقاً حتى الآن. وأدى الهجوم إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة 69 آخرين، بينهم أربعة بحالة حرجة. واعتقلت الشرطة التركية، أمس، ثمانية مشتبه بهم وُضعوا قيد التوقيف الاحتياطي في إطار التحقيق حول الاعتداء، بحسب ما أوردت وكالة "دوغان" للأنباء، ولم تتوافر أي معلومات حول المعتقلين. وهذه عمليات التوقيف الأولى في إطار التحقيق حول الاعتداء.

وأشارت المعلومات الأولية إلى أن الاعتداء، الذي تبنّاه "داعش"، اعتمد لتنفيذه، كما في هجوم مطار أتاتورك، على عناصر من دول الاتحاد السوفييتي السابق، في ما بدا كرسالة مزدوجة لكل من موسكو وأنقرة، إذ تشتبه السلطات بأن المهاجم يحمل إما الجنسية الأوزبكية أو القرغيزية، بينما تشير التحقيقات الأولية إلى وجود صلة بين المهاجم والخلية التي قامت بتنفيذ الهجوم الذي تعرض له مطار أتاتورك في مدينة إسطنبول. وعلى عكس الهجمات السابقة التي كانت جميعها هجمات انتحارية سواء باستخدام أحزمة ناسفة أو القيام بهجمات انغماسية تنتهي دوماً بمقتل المهاجم، يبدو أن هجوم إسطنبول اتّبع تكتيكاً تم استخدامه في هجوم العاصمة الألمانية برلين، في 19 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إذ انتهى الهجوم بفرار المهاجم، لإثارة المزيد من الرعب في صفوف المواطنين وإرباك الأجهزة الأمنية بشكل أكبر.


وفي هذا الإطار، أشارت المعلومات المسربة من التحقيقات إلى أن المهاجم توجّه إلى الملهى الواقع في منطقة بيشيكتاش، منطلقاً من منطقة "زيتن بورنو" في القسم الأوروبي من إسطنبول، وذلك عبر سيارة أجرة، قبل أن ينزل من السيارة قبيل وصوله للملهى، ويتوجّه إليه سيراً على الأقدام لمدة أربع دقائق، حاملاً معه سلاح كلاشينكوف في حقيبة على ظهره، بينما كان يرتدي معطفاً أسود وبنطالاً. ثم أخرج السلاح من حقيبته، وقتل شرطياً وعنصر أمن على مدخل النادي، قبل أن يدخل إلى الملهى ويبدأ بإطلاق النار على حوالي 800 شخص بمن فيهم العمال، وذلك لمدة سبع دقائق، استخدم خلالها 8 مخازن من الرصاص، متجاوزاً كل الإجراءات الأمنية المشددة المتخذة في الملهى بشكل اعتيادي، لكونه من أكثر الملاهي فخامة في المدينة ويرتاده المشاهير الأتراك ورجال الأعمال. وبعد أن أنهى الهجوم، قام المهاجم بخلع معطفه مستغلاً حالة الهلع التي حصلت في المكان، لتعثر الشرطة لاحقاً على 500 ليرة تركية في المعطف. وبعد أن ابتعد عن المكان سيراً على الأقدام لبضع دقائق، استقل المهاجم سيارة أجرة للذهاب إلى منطقة كوروجشمة في إسطنبول، قبل أن يعي أنه ترك الأموال في المعطف ويقرر النزول من السيارة.

وكانت الاستخبارات التركية وشعبة الأمن التابعة للداخلية، قد حصلت على معلومات استخباراتية تشير إلى نية التنظيم مهاجمة مناطق الاحتفالات الخاصة مع قدوم العام الجديد، في كل من إسطنبول ومرسين وأضنة وأنطاليا وأنقرة، سواء بهجمات انتحارية أو بالطريقة التي تم من خلالها تنفيذ هجوم مطار أتاتورك، ما دفعها إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة لم تحل دون حصول مذبحة الملهى الليلي. هذا الأمر فتح النقاش حول وجود ضعف حقيقي في صفوف قوات الأمن التركية، لتشير بعض الأصوات في الإعلام التركي إلى أن الأمر ناجم عن الفجوة الأمنية الكبيرة التي خلّفتها الحملات الأمنية التي شنّتها السلطات التركية ضد شبكة حركة "الخدمة" في مختلف مؤسسات الدولة وبالذات في صفوف وزارة الداخلية والقوات الأمنية. ورأت مقالات عديدة في تركيا، أن هذه الحملة على المشتبه بانتمائهم إلى صفوف "الخدمة" داخل الأجهزة الأمنية، تسبّبت بأزمة في التنسيق بين الأجهزة الأمنية في ما بينها، وبين الأخيرة والقضاء التركي. ومن بين النقاط التي يستند إليها أصحاب هذا الرأي، اضطرار وزارة الداخلية إلى الاعتماد على عناصر شرطة حديثي التخرج وقليلي الخبرة، بدليل أن الشرطي الذي كان مكلفاً بحماية الملهى، يبلغ من العمر 21 عاماً، ولم يمض على بدء عمله في الشرطة أكثر من عشرة أشهر. كما جاء الهجوم بعد يومين من تصاعد الشكاوى من قبل المسؤولين الأتراك، وبالذات على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، من غياب أي دغم غربي أو من دول المنطقة لعملية "درع الفرات"، متهماً الولايات المتحدة والغرب عموماً بدعم الإرهاب ممثلاً بحزب "العمال الكردستاني" وكذلك "داعش"، بينما بدأت روسيا بتقديم بعض الدعم للعملية.

المساهمون