مخاطر استيراد الأرز من الصين

04 سبتمبر 2018
الصورة
قلق من استيراد الأرز الملوث (Getty)
+ الخط -


وصل إلى مصر في 19 يوليو/تموز الماضي، أول مركب من الصين محملاً بـ 38 ألف طن أرز، من إجمالي 100 ألف طن من المقرر استيرادها من هذا البلد في غضون الثلاثة أشهر المقبلة، بواسطة القطاع الخاص لصالح وزارة التموين، وذلك لسد الفجوة المقدرة بحوالى 500 ألف طن، وفق ما كشفه عضو مجلس إدارة غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية، مجدي الوليلي، لبوابة الأهرام الحكومية في ذلك الشهر.

يأتي القرار الحكومي باستيراد الأرز، بعد تقليص مساحات زراعته من 1.1 مليون فدان العام الماضي 2017، إلى 724 ألف فدان فقط، بتراجع يتجاوز الثلث، لكن ما يثير علامات التعجب هو أن يجري استيراد هذه السلعة من الصين، سيما أن 1.4 مليار من الأفواه الصينية تتناول الأرز يوميا.

فالصين هي المستورد الأكبر للأرز على مستوى العالم، وتستورد نحو 10% من واردات الأرز المتاحة للتجارة العالمية في حدود 5.1 ملايين طن، وذلك بالرغم من أنها المنتج الأول له عالميا، بواقع 33% من الإنتاج العالمي في حدود 145 مليون طن.

وقد عقدت الحكومة الصينية قبل شهرين اتفاقيات تجارية لاستيراد الأرز من الهند واليابان والفيليبين والولايات المتحدة، فهل تتطوع الصين لتوفير الأرز للحكومة المصرية على حساب موطنيها مع وجود فجوة لديها في الإنتاج تفوق ما يستهلكه الشعب المصري كله خلال العام؟!

تنشر وسائل الإعلام الصينية والدولية تقارير متواترة عن خطورة الأرز الصيني السام، والذي ينتج من المزارع الشاسعة في وسط وجنوب الصين، وتشكك في جودته وسلامته من الناحية الصحية، بسبب محتواه من العناصر المعدنية السامة، وليس بسبب الشائعة الساذجة عن الأرز البلاستيكي والتي أشيعت في مصر قبيل استيراد الأرز الصيني.

وقد انبرت غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات المصرية لنفي شائعة الأرز البلاستيكي دون تحذير من الخطر الأكبر الذي يهدد المستهلك، وهو الأرز الملوث بالعناصر المعدنية السامة.

التلوث بالزرنيخ

في عام 2010، أجرى مجموعة من علماء الصين في معهد شنغهاي للفيزياء التطبيقية، التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، دراسة لحصر مستويات الزرنيخ في الأرز المزروع في مناطق مختلفة من الدولة، ونُشر في مجلة الإضافات الغذائية والملوثات.

واكتشف العلماء احتواء معظم عينات الدراسة على مستويات من الزرنيخ تفوق الحدود المسموحة. وخلصوا إلى أن خطر تعرض الصينين للزرنيخ من خلال الأرز لا يزال يتم التقليل من شأنه، بالرغم من خطورته بسبب الاستهلاك الكبير.

وأوصت الدراسة السلطات الصينية بأخذ هذا الخطر على محمل الجد لحماية المستهلك من تناول كميات كبيرة من الزرنيخ، سيما أن دراسة أخرى، نشرت العام الماضي في مجلة إكسكيلي العلمية، وأظهرت ارتباطًا بين تناول الأرز الملوث بالزرنيخ وانتشار مرض السكري في جنوب آسيا، بما فيها الهند والصين ودول أخرى بالاضافة لمسؤوليته عن الإصابة بالسرطان، وأمراض القلب، وضعف التحصيل الدراسي والتركيز للطلاب.

التلوث بالكادميوم

وفي 2013، نشر موقع براي تقريرا للصحافية كاثلين ماكلولين بعنوان "الأرز السام في الصين"، وكشف عن أن وسائل الإعلام الصينية سلطت الضوء على دراسات علمية تظهر أن 10% من الأرز المزروع في الصين أي نحو 12 مليون طن من حبوب الأرز ملوث بالمعادن الثقيلة والكادميوم، الذي وصل إلى الأراضي الزراعية في جنوب البلاد من النفايات الصناعية ومن مياه الرى.

والكادميوم، هو معدن شديد السمية إذا ما تناوله الإنسان، وقد يتسبب في تلف الكلى، وتورم الرئة، وأمراض العظام، والسرطان.

وقال فان تشى هونغ، أحد المدافعين عن سلامة الأغذية، إن الأرز الملوث يعد علامة تحذير خطيرة لأنه "لا يمكن أن تتعرف عليه بالنظر المجرد ولا بالتذوق، وأن الأمر متروك لهيئات سلامة الغذاء، لكن عناصر مثل الكادميوم لا يتم فحصها دائما أثناء التفتيش والرقابة، الأمر الذي يجعلها أكثر خطورة نظرا لأن لا أحد يراها"، وفق تقرير ماكلولين.

كما كشف تقرير حكومي نشر بتاريخ 8 فبراير/شباط 2016، عن أن عمليات التعدين في المناجم ألحقت الضرر بالقنوات المائية في المناطق الزراعية المحيطة، ثم اكتشف التلوث بالكادميوم لاحقا. 

التلوث بالزئبق

في السابق، كان تناول الأسماك متهما أساسيا لإصابة الإنسان بتسمم الزئبق، لكن دراسة حديثة بواسطة البروفيسور نويل سيلين، التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة، ونشرت في يونيو/حزيران الماضي، اعتبرت الأرز أكبر خطر محتمل على صحة الإنسان للتسمم بالزئبق، ويسبب اضطرابات عصبية ويؤثر على الذاكرة.

وقالت الدراسة إن بعض الأشخاص في الصين، وهي صاحبة أكبر انبعاثات للزئبق في العالم، يتعرضون للزئبق من الأرز أكثر من الأسماك، وإن قياسات الزئبق في الأرز بهذا البلد مرتفعة منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بسبب ارتفاع مستوياته في البيئة والتي تسربت بعد ذلك إلى حقول الأرز.

ويؤكد التقرير أن التلوث معروف للمزارعين والباحثين والسلطات لعقود، ولكن لم يتم فعل الكثير لوقفه بسبب ارتفاع تكلفة الأرز "النظيف".

وقال بان جنسينغ، الأستاذ في جامعة نانجينغ الزراعية شرق الصين، إن نظام بكين الحالي للتعاقد على الأراضي الزراعية مع المزارعين يجعل من الصعب للغاية بذل جهود متضافرة لمعالجة المشكلة.

وفي مطلع 2015، اضطر المتحدث باسم وزارة الزراعة الصينية، بي مي جيا، أن يرد على تقارير عديدة تناولت التخوف من سلامة الأرز الصيني وإقبال الصينيين على المنتج الياباني الذي أصبح من السلع الفاخرة والمستجدة في الصين، بالمقارنة بالمحلي المشكوك في سلامته، وفق صحيفة الشعب الصينية.

 

مخاطر وبدائل

بالرغم من أن 75% من مساحات الأرز التي تُزرع في دلتا مصر (شمال) تُروى بمياه الصرف الزراعي، لكن هذه النوعية من المياه، تخلو من ملوثات الكادميوم والزئبق والعناصر الثقيلة وكذلك البيئة المصرية. والأرز المصري معروف بمكانته العالمية، وأسعاره التي تتجاوز الألف دولار للطن، بسبب جودته الغذائية والصحية.

وفي ظل الفجوة الناتجة عن تخفيض المساحة والاتجاه للاستيراد، فإنه يُخشى أن تدخل أنواع من الأرز الملوث بالكادميوم والزئبق إلى مصر، سيما أن الاستيراد يتم من خلال القطاع الخاص، وهذه النوعية من الأرز تكون منخفضة السعر ومغرية لضعاف النفوس.

وقد تكرر استيراد القمح رخيص السعر والملوث بفطر الإرغوت السام والخشخاش منذ انقلاب يوليو/تموز 2013، بالرغم من حظر قوانين الحجر الزراعي المصري دخولها، لأن المحكمة الإدارية العليا سمحت للحكومة باستيراد قمح ملوث بفطر الإرغوت بنسبة أكثر من 0.05%.

وبالرغم من تعديل النسبة، فقد دخلت في يونيو/حزيران الماضي شحنة قمح روسية احتوت على الإرغوت بنسبة 0.06% إلى البلاد تزن 63 ألف طن. وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة، حامد عبد الدايم، أن إدارة الحجر الزراعي رفضت الشحنة ورجح إعادة تصديرها. لكن هيئة الرقابة على السلامة الزراعية الروسية أرسلت فريقا إلى مصر، وتم قبول الشحنة المرفوضة دون تعليق من وزارة الزراعة، وقال أحد التجار في القاهرة، وفق رويترز: "يبدو أن الروس ربما يكونون قد مارسوا بعض الضغط".

أمام الحكومة فرصة للاكتفاء الذاتي من الأرز، كما كانت قبل قرار تخفيض المساحة هذا العام من خلال تطبيق نظام الدورة الزراعية الذي يوفر 25% من مياه الري، أي حوالي 10 مليارات متر مكعب، وهي كمية كافية لزراعة 1.3 مليون فدان من الأرز، تنتج 5 ملايينن طن من الأرز الصحي الآمن للمصريين، وتغني عن الاستيراد من الصين وغيرها.

المساهمون