محو الأمّية الإعلامية... مبادرة بلجيكية

18 يوليو 2019
الصورة
قطاع الإعلام يتطور باستمرار (شان غالوب/Getty)
بحلول عام 2021، ستقوم اختبارات "بيزا" التي تعمل عليها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وتخصّ تقييم أنظمة التعليم في جميع أنحاء العالم، بتقييم مهارات الطلاب في الجانب الإعلامي. أي مدى قدرة التلاميذ على مواجهة الأخبار المزيفة وفهم تقنيات الإعلام وغيرها، لتهيئ المواطنين لأداء مسؤولياتهم داخل المجتمع. إذ أثار التلاعب الهائل في الأخبار في السنوات الأخيرة، كما كان الحال بالنسبة لانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت)، تخوفاً كبيراً لدى المسؤولين الأوروبيين.

فهناك نقطة واحدة على الأقل، تجمع بين مجموعة من القطاعات، من العمل السياسي إلى عالم الجمعيات المدنية مروراً بقطاع التعليم، ألا وهي بروز عوائق اجتماعية جديدة، بسبب ظهور الإنترنت والشبكات الاجتماعية. ويتعلق الأمر بالأمية الإعلامية، لأن قدرة المواطنين على إتقان قواعد إنتاج وتوزيع واستهلاك المحتوى الإعلامي، أياً كان، أصبح علامة على صحة الديمقراطية. 

مبادرة للمواطنين
دُفع بمجموعة من المواطنين البلجيكيين إلى إنشاء دورة تكوينية، تجريبية، للتربية النقدية لوسائل الإعلام، ابتداءً من شهر أيلول/ سبتمبر القادم في جلّ المدارس البلجيكية. دورة تكوينية لم يكن لها وجود حتى الآن. ووراء هذه المبادرة ثُلاثي يتكوّن من باسكال فريبوس، صحافي وكاتب مسرحي وكذلك مدرس لمادّة نقد وسائل الإعلام في جامعة بروكسل المستقلة؛ وميشيل سيلين وهو أستاذ في كلية العلوم النفسية والتربية في جامعة بروكسل المستقلة؛ وأخيراً لوران أرنوتس وهو محام شهير.

يفسر باسكال فريبوس لـ "العربي الجديد"، أنّه "إذا كانت الدورات التكوينية في مجال نقد الإعلام أصبحت لازمة تتكرر على ألسنة جلّ المسؤولين السياسيين، فعلى أرض الواقع الأمر مختلف. إذ لا توجد أي مبادرات رسمية فعلية في قطاع التعليم لمثل هذه الدورات على المستوى المتوسط أو الطويل الأجل. هذا رغم أنه في السنوات الخمس المقبلة، سيكون نحو 300 ألف طالب في سنّ التصويت. وهو ما يعني أنه سيكون لدينا ناخبون أمّيون إعلامياً. لذلك فهناك حاجة ملحّة لضمان تسليح هؤلاء المواطنين فكرياً، لتشكيل آرائهم الخاصة. وذلك استناداً على المعلومات التي تمكنوا من التحقق منها وفك تشفيرها، ومن خلال مقاومة محاولات التلاعب التي ستواجههم لا محالة".

يضاف إلى ذلك وجود سلسلة من الظروف، التي تعزز الحاجة الملحّة لهذا النهج التعليمي. فالشباب على اطلاع مستمر على الأخبار عبر الشبكات الاجتماعية. لكن هذه الوسائط الجديدة "لا تعطي الأولوية للمعلومات وفقاً لجودة المصدر، ولكن وفقاً لترتيب مقدم من برامج معلوماتية، دون أي شفافية"، يصرّ باسكال فريبوس.



فهم الرموز
علاوة على ذلك، "لا المدرسة ولا العائلة قادرون على مواجهة هذا الخطر" كما يقول ميشيل سيلين لـ "العربي الجديد"، مسترسلاً: "من الصعب على الأساتذة أن يدرسوا مادة تتعلق بقطاع الإعلام الذي يتطور باستمرار. لذلك علينا بناء الأدوات التي تسمح بالتعامل مع هذه المواضيع، بكل موضوعية". إذ يتعلق الأمر بالنسبة لهذه المبادرة بتفسير الرموز الخاصة بقطاع الإعلام، ومحاولة نقد أساليب التدريس التقليدية. "هذه هي المرة الأولى التي سيخدم فيها مركز أكاديمي انتظارات المواطنين بشكل مباشر"، يقول ميشيل سيلين. والهدف من مبادرة الدورة التكوينية هو توفير الحل الملموس، الذي يمكن تعميمه في التعليم الثانوي في السنوات المقبلة. ويشدد سيلين على أنّ "المهمة باختصار هي إحداث صدمة قادرة على التغلب على التأخيرات الملازمة للأطر التنظيمية، وتصريف الميزانية الخاصة بالقرارات التي تسهر عليها الحكومة". ويشير إلى أن "هناك أحياناً إحجاماً من قبل السياسيين في ما يتعلق بالتحرر الفكري للمواطنين، لأن ذلك يفقدهم السيطرة على قرارات هؤلاء المواطنين. لذا علينا التغلب على ذلك. وأعتقد أن الوقت قد حان، إذ يبدو أن فكر السياسيين البلجيكيين بهذا الخصوص قد نضج لتقبل الفكرة. وهذه المبادرة تقدم لهم فرصة تاريخية للتصالح مع المواطنين".

مبادرة للمواطنين، تم تأطيرها علمياً وتمويلها بواسطة رساميل خاصة، من أجل إثبات جدوى المشروع الذي يُنتظر أن يعتمده في المستقبل المسؤولون السياسيون. فكما يقول لوران أرنوتس لـ"العربي الجديد": "يجب ألا تتبع المدرسة التطورات التكنولوجية بل تتوقعها. ويتعين على الشركات الاهتمام أيضاً بهذه القضايا على وجه السرعة. لأنها يمكن أن تعاني من عواقب وخيمة بسبب الأمّية الإعلامية".

دلالات

تعليق: