متلازمة "داون"... تغيب الأرقام ومعها الحقوق عربياً

متلازمة "داون"... تغيب الأرقام ومعها الحقوق عربياً

21 مارس 2019
الصورة
شاب سوري (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

في الحادي والعشرين من مارس/ آذار، وفي "اليوم العالمي لمتلازمة داون" تتحدث "العربي الجديد" عن معاناة هذه الفئة، من الأشخاص ذوي الإعاقة، من الحواجز في طريقهم، في العديد من الدول العربية

الإعاقة الذهنية الوراثية المعروفة باسم تثلث الصبغية 21، كما تسميها منظمات الإعاقة، أو متلازمة "داون" كما تجيز الأمم المتحدة تسميتها، والتي سُمّيت باسم الطبيب الإنكليزي، جون لانغدون داون، عام 1862، يعيش أصحابها في معظم الدول العربية حالة تغييب عن الحقوق، وحالات عدة من الاستغلال، مع تعميم النموذج الرعائي الخيري في مقاربة أوضاعهم، بدلاً من النموذج الاجتماعي- الحقوقي، عدا عن الإساءات إليهم واستخدام عبارات مهينة بحقهم، وتكريس صور نمطية خاطئة، وغياب الأرقام حولهم، ما يساهم بدوره في تغييب الحقوق أيضاً.

على مستوى اليوم العالمي، فهو يركز هذا العام على موضوع: "ألاّ يتخلف أحد عن الركب" مع الإشارة إلى ضرورة أن تتاح للأشخاص ممن لديهم تثلث الصبغية 21 فرص للعيش حياة كاملة، بما في ذلك التنعم بالمساواة مع غيرهم في كلّ الجوانب المجتمعية، وهو شعار مستمد من أهداف التنمية المستدامة 2030، الذي هو "خطة عمل للناس وللكوكب وللرخاء" بحسب الهيئة الدولية.

عزل

في لبنان، لم تتمكن ندى (33 عاماً) من تلقي أيّ تعليم أو تدريب، منذ كانت في العاشرة من عمرها، حتى تأخرت حالتها تدريجياً بعد سنوات من ذلك التوقف. باتت مع الوقت غير قابلة ليس فقط على الاندماج مع الآخرين، حتى ممن هم في نفس إعاقتها، بل أيضاً على التفاعل بأيّ شكل معهم، إذ باتت عنيفة جداً، تفضل العزلة، وقلما يكسر أحدهم عزلتها تلك وهي في منزل والدتها التي توفي زوجها، والد ندى، ولا أولاد آخرين لديها. تقول أم ندى لـ"العربي الجديد" إنّها كانت قادرة على استكمال تسجيل ابنتها في المدرسة، لكنّ شقيقها "لعب بعقلي، وذلك في أواخر سنوات التسعينيات، وأخبرني أنّهم في المدرسة قد يعتدون جنسياً على ابنتي. وهكذا أخرجتها، لكنّني ندمت بعد ذلك، خصوصاً عندما بدأت حالتها تتأخر. لكنّ وضعها في المدرسة مجدداً بات مستحيلاً، إذ ازداد وزنها بشكل كبير، وتوقفت بشكل شبه كامل عن التحرك، كما أنّني لا أريد أن أضعها في مؤسسة رعاية داخلية، إذ أريدها أن تبقى معي، وأنا أخدمها وأهتم بأمورها وحدي، منذ ذلك الحين".

مركز لأطفال متلازمة "داون" في مصر (Getty) 


تأخُّر حالة ندى، تشهد على حالات مثلها، رئيسة "جمعية متلازمة داون اللبنانية (LDS)" نعيمة يونس، التي اهتمت بابنتها، ماريا (27 عاماً)، بشكل مختلف تماماً، من مدرسة وتدريب ودمج، سواء في الولايات المتحدة حيث سافرت العائلة طوال 10 سنوات، أو في لبنان: "لا أذهب إلى عرس أدعى إليه من دون أن تكون ابنتي معي". تقول يونس لـ"العربي الجديد": "كنت أعرف فتاة لديها متلازمة داون، وكانت منطلقة ونشيطة وقادرة على القراءة، لكن، لا أعرف ما الذي حصل، إذ رأيتها بعد فترة، فكانت حالتها متأخرة جداً، وعندما اجتمعت مع ابنتي وأصدقاء آخرين، رفضت أن تكلم أحداً منهم أو تقترب". تشير يونس إلى أنّ المشكلة الأكبر التي تواجه الأشخاص ممن لديهم متلازمة داون، ترتبط بالأهل أنفسهم: "يجب أن يتقبلوا ولدهم كما هو، ويتعلموا كيفية التعامل معه. والمطلوب في هذا الإطار، أن يتلقى الأهل الدعم والمساندة اللازمين من مجموعات أهل آخرين منذ البداية، ونحن في الجمعية نوفر مثل هذا الدعم ونطلب من الأطباء والمستشفيات أن يرشدوا الأهل إلى ذلك، لكن، هناك استخفاف بهذه المسألة المهمة". تشير إلى أنّ بعض الأهل، بسبب غياب الدعم وعدم تقبل أبنائهم، يخبئون الابن أو البنت من الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية- تثلث الصبغية 21، خوفاً على "بريستيجهم" أي مظهرهم الاجتماعي.

شكاوى

في هذا الإطار، يخصّ مسؤولو "مرصد حقوق الأشخاص المعوقين" التابع للاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً (LUPD) "العربي الجديد" بشكاوى غير منشورة بعد، وصلت إليه عام 2018، تختص بأشخاص ذوي إعاقة ذهنية- تثلث الصبغية 21، لبنانيين وسوريين، وهي شكاوى تسلط الضوء أكثر على معاناة هذه الفئة مع الحواجز.



في أول هذه الشكاوى "احتاج شاب سوري إلى دخول مستشفى على نفقة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فتبين أنّ نفقة العلاج تفوق ما تغطيه المفوضية، وهو ما يضع عبئاً على العائلة لا تستطيع تحمله". ومنها أنّ "فتاة سورية تسكن مع عائلتها في الدور الثالث وهو خطر عليها، إذ من الممكن أن تقفز، علماً أنّ وضع الأسرة المادي صعب، ولا يستطيعون السكن في مكان آخر".

في شكوى أخرى، "قصد شاب لبناني مستوصف البلدية بهدف تأمين الأدوية المزمنة الخاصة به، لكنّهم رفضوا تأمينها مجاناً كما تنص عليه البطاقة التي حصل عليها من وزارة الشؤون الاجتماعية، بل عليه أن يتحمل كلفتها بنفسه". في السياق نفسه، "توجهت فتاة لبنانية إلى مستشفى، فأرغمت على تحمّل الفارق في كلفة الصور الطبية والتحاليل، بحجة أنّ الوزارة لا تغطي المبلغ بالكامل". كما تشير إحدى الشكاوى إلى أنّ "أمّاً سورية قصدت مدرسة لتسجيل ابنها، لكنّ المدرسة رفضت استقباله متذرعة بأنّها لا تعرف كيفية التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية كي تستقبلهم". وتشير شكوى أخرى إلى أنّ "فتاة سورية قصد أهلها دار الأيتام أكثر من مرة لتسجيلها، ولم يجرِ قبولها، لأنّها غير لبنانية".

غياب الأرقام

على المستوى العالمي، يشير موقع الأمم المتحدة إلى أنّ نسبة المواليد ذوي الإعاقة الذهنية من نوع تثلث الصبغية 21، تتراوح ما بين 1 في كلّ 1000 و1 في كلّ 1100 من الولادات الحية. لكن، على المستوى العربي، وعلى المستوى العالمي كذلك باستثناء عدد من الدول الغربية، تشحّ الإحصاءات المرتبطة بهذه الفئة، وإذا وجدت فهي تحمل أرقاماً قديمة. وهو ما يؤكده أكثر من مصدر من منظمات وجمعيات الإعاقة، تواصلت معه "العربي الجديد". والسبب في ذلك، بالإضافة إلى ما ذكرته يونس حول الوصمة الاجتماعية التي تدفع بعض الأهل إلى تخبئة أبنائهم وبناتهم ممن لديهم هذه الإعاقة، على عكس إعاقات أخرى، هو النموذج الرعائي الخيري السائد من خلال مؤسسات عازلة، تحظى بدعم الدولة المالي السنوي في معظم الأحيان، لا تطمح إلى دمج هؤلاء الأشخاص في المجتمع، وبذلك فإنّها تتابع مسار التخبئة نفسه الذي يمارسه الأهل. ولا تُظهر الأشخاص ذوي الإعاقة من هذا النوع، إلاّ في المناسبات، سواء الدينية أو المرتبطة بالأيام الدولية، طلباً لمزيد من التبرعات المالية والدعم.

وهكذا يمكن أن تجد في كلّ بلد من البلدان العربية نسبة رسمية أو شبه رسمية للأشخاص ذوي الإعاقة عموماً من السكان، لكن، ليست هناك محاولات إحصائية رسمية في الغالب، لتحديد نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة من نوع تثلث الصبغية 21، ويشير أحد مصادر منظمات الإعاقة إلى أنّ هذا الأمر يعود كذلك، إلى أن لا منظمات لهؤلاء الأشخاص يمثلون فيها أنفسهم بأنفسهم، كما هي الحال في إعاقات أخرى، بل إنّ جمعيات الإعاقة الذهنية عموماً، هي جمعيات لأهاليهم، وهي جمعيات بعيدة عن النموذج الحقوقي الاجتماعي، وأقرب إلى تسيير الأمور اليومية لأبنائهم وبناتهم في أيّ وضع وطريقة، حتى لو كان ذلك عن طريق إيداعهم في مؤسسات عازلة.

معلمة وتلميذتها في غزة (محمود حمس/ فرانس برس) 


بعض المحاولات الإحصائية العربية تشير إلى أرقام كبيرة، منها إحصائية أجرتها صحيفة "الأهرام" المصرية، على سبيل المثال، أشارت فيها إلى أنّ المواليد بمتلازمة "داون" لعام 2017 وحده، تجاوزوا 4 آلاف مولود. وفي الأردن، قدّرت وزارة الصحة، عام 2013، عدد الأشخاص ممن لديهم المتلازمة، في البلاد، بنحو سبعة آلاف حالة.



في السعودية، تشير "جمعية صوت متلازمة داون" إلى دراسة أجرتها شركة "ماكنزي" العالمية قالت فيها إنّ عدد أفراد الفئة في السعودية عام 2009، تجاوز 25 ألفاً. وتتابع الجمعية أنّ النسبة الحالية للمواليد بالمتلازمة في المملكة هي 1 في كلّ 700 ولادة حية، أي أعلى من المعدل العالمي بكثير. في قطر، تشير إحصائية تعود إلى العام الماضي، إلى أنّ برنامج التدخل المبكر بمركز تطوير الطفل في "مؤسسة حمد الطبية" يتابع حالة 73 طفلاً لديهم المتلازمة، لكن لا إحصاءات حول العدد الكامل للأطفال وغيرهم في الدولة. وفي الكويت، أعلنت وزارة الصحة، عام 2017، عن أكثر من 3 آلاف حالة في البلاد، من المواطنين والمقيمين على حدّ سواء.

في الجزائر تتباين أعداد هؤلاء الأشخاص، ما بين 30 ألفاً و80 ألفاً، وتتجاوز ذلك بحسب تقارير عدة، لكنّ تصريحاً رسمياً لوزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، يشير إلى 6 آلاف حالة جديدة سنوياً في جميع أنحاء البلاد. وفي تونس، تشير تقديرات مستشفى "شارل نيكول" في العاصمة، التي تعود إلى العام الماضي، إلى 200 ولادة بالمتلازمة سنوياً في عموم أنحاء البلاد.