متظاهرو العراق يحبطون "فخّ الثلاثاء"

11 ديسمبر 2019
الصورة
من التظاهرات في بغداد أمس (صباح عرار/ فرانس برس)
+ الخط -
تخطّت التظاهرات العراقية، أمس الثلاثاء، ما اعتُبر فخاً أعدته أحزاب السلطة والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وحاولت حرف مسارها عن سلميتها، وذلك بعد تحشيد أعلنت عنه جهات مجهولة عبر مواقع التواصل لـ"مليونية الثلاثاء"، ودعت إلى اقتحام المنطقة الخضراء، لكن لجان التنسيقيات، ومن خلال بيانات أذيعت في ساحات التظاهر، تمكّنت من إعلان براءتها من تلك الدعوات ورفع شعار "لا عبرة في العبور"، في إشارة إلى عبور جسر الجمهورية لاقتحام الخضراء. في غضون ذلك، بقي الحراك السياسي لاختيار رئيس حكومة جديد بلا نتيجة، في وقت يعقد فيه البرلمان العراقي اليوم الأربعاء اجتماعاً للتصويت على مشروع قانون الانتخابات، وسط شكوك في إمكانية تمريره.

وقال ناشطون بارزون في التظاهرات إنهم نجحوا في إحباط مسعى لتشويه سلميتها بعد مخطط لقوى سياسية ومليشيات كان الهدف منه اقتحام المنطقة الخضراء التي تضم السفارتين الأميركية والبريطانية فضلاً عن مقرات الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية ووزارات سيادية بهدف دفع الجيش إلى الرد، ما سيمهد الغطاء الكافي والحجة المناسبة للقضاء على التظاهرات.
وقال الناشط في التظاهرات، علي الوائلي، لـ"العربي الجديد"، إنهم أحبطوا أمس لعبة جديدة من خلال تزوير بيانات لنقابات واتحادات والدعوة لمليونية والتحشيد لاقتحام المنطقة الخضراء، مضيفاً "لكن المتظاهرين أنفسهم تمكنوا منذ ليلة الإثنين من طباعة بيانات ينفون فيها علاقتهم بتلك الدعوات المشبوهة ونجحوا في أن يكونوا حراساً على جسري السنك والجمهورية ومنعوا أحداً من محاولة العبور إلى المنطقة الخضراء". وتوقع ألا تتوقف هذه المحاولات، مضيفاً أن "المتظاهرين برهنوا عن فهم ووعي عالٍ"، متابعاً "هناك مليشيات تريد جرّ التظاهرات إلى العنف كونها تدري أن المواطن مستعد للتضحية بكل شيء مقابل ألا ينتكس الأمن، لذلك هي تهدد مرة بالحرب الأهلية وأخرى بتنظيم داعش، وثالثة بالفراغ الحكومي والمجهول".

نائب في البرلمان العراقي، طلب عدم ذكر اسمه، تحدث لـ"العربي الجديد" عما سماه "فشل مؤامرة الثلاثاء على التظاهرات العراقية"، مشيراً إلى أن "الجميع كان ينتظر وصول متظاهرين إلى المنطقة الخضراء ليبدأ الرد، وكانت المليشيات مستعدة، والفكرة كانت دفع السذج أو الغاضبين من قبل أنصار الأحزاب ليقوموا بالمهمة". ووصف الخطة بأنها من إعداد "صانعي الكاشان"، في إشارة إلى أشهر أنواع السجاد الإيراني، مؤكداً أن "الإيرانيين دخلوا فعلاً على خط مواجهة التظاهرات بشكل أكبر منذ استقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وللأسف هناك حالة عجز عن مواجهة هذا التدخّل من قبل القيادات السياسية في البلاد".

وكان زعيم مليشيا "العصائب" قيس الخزعلي قد حذّر مساء الإثنين من احتمال وقوع أعداد كبيرة من الضحايا في تظاهرات الثلاثاء، قائلاً في بيان إن "التظاهرات السلمية يتغلغل فيها مخربون، وهم يقومون بالحرق والقتل"، داعياً الجميع إلى "الوقوف بوجه هذا المشروع التخريبي وكشف الأقنعة عن هؤلاء"، قائلاً: "إذا تساهلنا معهم، فإن مصالح الناس ستكون بخطر".
من جهته، رأى القيادي في "تحالف القوى العراقية" حيدر الملا، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنه "بعد دخول التظاهرات الشعبية الشهر الثالث، فقد أصبحت ثورة شعبية امتدت على كل الطيف العراقي، بلا استثناء"، مضيفاً أن "أحزاب السلطة الموالية لإيران لا خيار أمامها إلا أن ترضخ لإرادة الحراك الشعبي".

أما النائب باسم خشان، فلفت في حديث مع "العربي الجديد" إلى أن "دعوات اقتحام المنطقة الخضراء، كانت تهدف لإثارة الفوضى وحرف التظاهرات عن سلميتها، بعدما شهد العالم بتلك السلمية ووعي الشباب المنتفض". وأضاف خشان أن "هذه الدعوات تأتي ضمن مسلسل إرهاب المتظاهرين، بعد فشل بعض الجهات في محاولة فضّ التظاهرات من خلال القمع والقتل والاختطاف والاغتيال، ولهذا هي تريد الآن حرف مسار تلك التظاهرات عن سلميتها بهذه الدعوات المشبوهة".


في غضون ذلك، كان الجيش العراقي يتعهد بحماية وتأمين المتظاهرين. وقال رئيس أركان الجيش عثمان الغانمي، في كلمة له في بغداد أمس، إن قوات الجيش موجودة لتأمين المتظاهرين، لحين تحقيق مطالبهم المشروعة التي كفلها الدستور. وأضاف: "في كل شبر وزاوية ومناسبة نرى المواطن العراقي يشيد بدور الجيش في التعامل مع الأحداث والتحديات التي تواجهها البلاد ليكون صمام أمان وسور الوطن المنيع ودرعه الحصين وضامن وحدته وحامي شعبه".

ميدانياً، شهدت التظاهرات احتشاداً لعشرات الآلاف من العراقيين في بغداد وجنوبي البلاد ضمن محافظات البصرة والقادسية وذي قار وكربلاء والنجف والمثنى وواسط وبابل وميسان. وشهدت التظاهرات ترديد شعارات مختلفة ركزت على أهمية الاستجابة لكل المطالب وتأكيد مواصلة التظاهرات ورفض ما وصفوه بالحلول الترقيعية.

في موازاة ذلك، من المرتقب أن يعقد البرلمان ظهر اليوم الأربعاء اجتماعاً للتصويت على مشروع قانون الانتخابات، وسط شكوك في إمكانية تمريره بسبب اعتراضات كتل على بنود عدة فيه، من أبرزها تخصيص 50 في المائة من مقاعد البرلمان لأعلى الفائزين والنسبة المتبقية تكون وفقاً لقاسم انتخابي مرتفع، ما يضمن ذهابها للأحزاب الحالية، فضلاً عن موضوع تقسيم الدوائر الانتخابية.

وعلى صعيد اختيار رئيس الحكومة، دعا الرئيس العراقي برهم صالح، أمس، المتظاهرين والكتل السياسية إلى التعاون من أجل اختيار رئيس وزراء جديد ضمن المهلة الدستورية التي تنتهي في 17 الحالي. وحث في بيان موجّه للعراقيين المتظاهرين وقوات الأمن على الحفاظ على سلمية الاحتجاجات قائلاً: "لا تسمحوا للأعداء بأن يشوهوا تاريخنا وانتصاراتنا من خلال المندسين والمخربين الذين يريدون بالعراق وأهله سوءاً".
وفي السياق، قال عضو البرلمان عن تحالف "سائرون" أمجد العقابي إن أغلب القوى السياسية متفقة على حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، معلناً في تصريح صحافي أن تحالفه لم ولن يحضر اجتماعات الكتل لاختيار رئيس الوزراء الجديد.

يُذكر أنه منذ انطلاق التظاهرات في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اعتمدت السلطة والأحزاب السياسية لها على مواجهة التظاهرات بأساليب عدة، عبر مراحل متدرجة، بدأت في تصعيد القمع الذي خلّف حتى الآن نحو 500 قتيل وأكثر من 20 ألف جريح، مروراً بالاعتقالات غير المسبوقة، ثم إطلاق حملات تشويه بحق المتظاهرين، ومن ثم حرق المباني وافتعال أعمال تخريب، وصولاً إلى دخول المليشيات وأنصار الأحزاب على خط التظاهر ضمن لعبة الشارع المضاد، ثم مواجهة المتظاهرين بعمليات الطعن والترهيب، وانتهاءً بمجزرة السنك يوم الجمعة الماضي.

المساهمون