مبعوث منظمة التحرير… السورية

11 ابريل 2015
الصورة

أحمد مجدلاني لم ير إلا "داعش" في اليرموك (8مارس/2015/Getty)

+ الخط -

من استمع، أول من أمس، إلى أحمد مجدلاني، الذي من المفترض أن يكون مبعوث منظمة التحرير الفلسطينية إلى دمشق، لبحث الوضع في مخيم اليرموك، لا يمكن أن يتخيل أن هذا الرجل ليس مسؤولاً في النظام السوري، أو عضواً في حاشية بشار الأسد. كل ما قاله مجدلاني، في مؤتمره الصحافي، جاء في سياق تجريم المخيم، ورفع المسؤولية عن النظام السوري في المأساة التي يعيشها، بل أعطى الضوء الأخضر للنظام للمضي في ارتكاب مجازر إضافية بحق أبناء المخيم، العالقين بين براميل الأسد وسواطير "داعش".

لم يتخيّل أهالي مخيم اليرموك الذين ربما استبشروا خيراً بالتفات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتين إلى معاناتهم التي ليست أبداً وليدة دخول "داعش" إلى المخيم، بل سابقة لذلك بكثير، أن يأتي هذا المبعوث بضوء أخضر فلسطيني ليُقتحم المخيم، ويهجر من تبقى من أهله، بذريعة "طرد الإرهابيين التكفيريين"، معطياً صك براءة مسبقاً للنظام السوري، على اعتبار أن "الخيارات التي كانت مطروحة سابقاً لإنجاز الحل السياسي قضى عليها المسلحون، الأمر الذي وضعنا أمام خيارات أخرى، تذهب إلى حل أمني، يراعي الشراكة مع الدولة السورية، باعتبارها صاحبة السيادة على أراضيها، وأن هذا الأمر قرار الدولة السورية الأول والأخير في الحفاظ على أمن واستقرار المواطنين الفلسطينيين والسوريين، على السواء".

لم يأت مجدلاني على ذكر معاناة المخيم، طوال السنوات الماضية التي عانى فيها من حصار خانق، دفع أهله إلى حافة المجاعة، أو المجاعة نفسها، بعدما اضطروا إلى أكل الحيوانات الأليفة الموجودة لسد الرمق. لم يتذكر مبعوث منظمة التحرير الصورة الشهيرة التي توافد فيها كل من بقي في المخيم محاصراً إلى مركز للأمم المتحدة كان يوزع غذاء. ولم يسأل هذا المسؤول نفسه أساساً كيف دخل مسلحو "داعش" إلى المخيم، وكل منافذه محاصرة من قوات النظام، أو القوات الموالية له من فصائل فلسطينية يطلق عليها مجدلاني اسم "القوى الوطنية"، وهي التي يعاني سكان اليرموك من انتهاكاتها أكثر من معاناتهم من انتهاكات النظام نفسه. لم يلتفت مجدلاني إلى نيات "الثأر" التي يكنها النظام لمخيم اليرموك، باعتبار أنه وأهله كانا الحاضنة الأساس للمتظاهرين الفارين من بطش النظام السوري، خصوصاً في ريف دمشق. كل هذه الأمور لم ترد في كلام المبعوث الفلسطيني، الذي لم ير من معاناة المخيم إلا وصول "داعش" إليه.

ليس غريباً على مسؤولي السلطة الفلسطينية الاصطفاف الكامل خلف النظام السوري، وهو ما أكدته ممارسات رئيسها، محمود عباس، في مناسبات عدة. ممارسات كانت نابعة من سياسة كيدية وخاضعة لحسابات الانقسام الفلسطيني، والخوف من تكريس حركة حماس بديلاً له، في ظل الصعود السياسي للإخوان المسلمين في المنطقة، بعد ثورات الربيع العربي. لكن هذا الصعود السياسي انتهى مبدئياً، وها هي جماعة الإخوان تعيش فترة أفول، خصوصاً في مصر. ولم يدفع هذا الأمر عباس إلى مراجعة مواقفه، بل على العكس، ها هو يتمادى عبر مبعوثه، منطلقاً ربما من إشارات تقارب تصدر من هنا وهناك بين حركة حماس ودول خليجية عدة، في مقدمتها السعودية.

مع ذلك، يبدو أن مجدلاني ذهب أبعد مما هو مخطط له في تصريحاته، ما دفع عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، حنان عشراوي، إلى الخروج للرد عليه، مؤكدة رفض المنظمة "أن يتم الزج بالمخيم في أي عمل عسكري، من أي طرف".

لكن، هل سيعفي ذلك المخيم من مجزرة جديدة؟ لا يبدو الأمر كذلك، خصوصاً أن الضوء الأخضر أعطي للنظام السوري، وها هم أهالي المخيم يستعدون لنكبة تقتيل وتشريد جديدة. لكن، هذه المرة بغطاء فلسطيني.