ماكرون حاكماً بأمر اللبنانيين

04 سبتمبر 2020
الصورة

ماكرون وبري ومصطفى دياب وإيلي الفرزلي في قصر بعبدا (1/9/2020/الأناضول)

كثيرة الأمور التي سيتذكّرها اللبنانيون عن زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في نسختها الثانية خلال أسابيع، بلدهم. بالنسبة إلى سكان بيروت الذين لا يزال صدى انفجار المرفأ قبل شهر يتردّد في آذانهم، لن يغفروا له حالة الهلع التي سبّبتها الطائرات الحربية الفرنسية عندما حلّقت على علو منخفض في استعراضٍ جويٍّ بمناسبة مئوية لبنان، مذكّرة إياهم باليوم المرعب، لا بيوم إعلان "لبنان الكبير". وبقدر ما يختزل هذا الفعل انعداماً في مراعاة حالة الصدمة لدى سكان العاصمة، فإنه يعكس أيضاً الهوس لدى ماكرون بالاستعراض في لبنان. حتى خياره الظفر بلقاء مع فيروز يأتي في هذا السياق.

منذ زيارته الأولى بيروت، عقب أيام من انفجار المرفأ، اختار الرئيس الفرنسي لنفسه أداء دور الحاكم بأمر اللبنانيين. اتخذ من النقمة الشعبية على أداء المسؤولين اللبنانيين المدخل المناسب لتصوير نفسه على أنه "المخلص"، لكن نيّاته الحقيقية لم تنطلِ إلا على قلة، ولا مكان للعواطف والنيّات الحسنة في منطقةٍ تغلي بصراع النفوذ والأزمات. ومن كان يبحث عن دليل على ذلك، لم يتأخر ماكرون نفسه في تقديمه. ما قاله في الشارع للمحتجّين عن أنه "لا بد من تغيير النظام"، سرعان ما تبخّر بمجرد جلوسه مع السياسيين، متحدّثاً عن تبدّل أسلوب عمل هذا النظام، مانحاً إياهم حتى 1 سبتمبر/ أيلول، موعد زيارته الثانية للاتفاق على رئيس حكومة جديد.

كان ماكرون يدرك كيف يلاعب القوى السياسية اللبنانية. يعي ما تخشاه، وأنها على عكس تعنّتها أمام المحتجين اللبنانيين الذين خرجوا في انتفاضة أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مستعدّة لتقديم التنازلات تحت ضغط خارجي، مقابل عدم المساس بالأموال التي نهبتها من خزينة الدولة، ولا بموقعها السياسي. 

لم تخيّب الأحزاب الحاكمة، وتلك التي على هامشها، رهاناته، التقطت جيداً ما يريده ماكرون، فكان له ما أراد. عشية وصوله إلى بيروت، كُلِّف مصطفى أديب رئيساً جديداً للوزراء. والأخير لن يكون على الأرجح سوى نسخة مكرّرة عن حسان دياب، بما أنه صنيعة هذا النظام.

بدا المشهد يوم الثلاثاء الماضي مضحكاً ومؤلماً في آن واحد. انقلبت فيه الأدوار رأساً على عقب. كان اللبنانيون أمام فرصةٍ نادرة لمشاهدة الطبقة الحاكمة وهي ذليلة تحت إمرة ماكرون، أقرب إلى ببغاوات تردّد كل ما يريد الرئيس الفرنسي سماعه فقط على قاعدة "أمرك مطاع". تبارى السياسيون في إعلان براءة ذمة من وجود أي نيةٍ لديهم، لتأخير تأليف الحكومة، بعدما كانوا يتصارعون في السابق على كل وزارة وكل تفصيلة لها علاقة بها. حتى إن بعضهم تسابقوا للحديث عن رغبتهم في دولة مدنية، والموافقة على عقد سياسي جديد، وإنْ بشروط. مقابل ذلك، صال ماكرون وجال على السياسيين كما يريد، اختار لقاء من يرغب، هدّد بعقوبات، لوّن خطابه وبدّله، وهو القائل: "أنا مثالي، لكن براغماتي". ولم يجرؤ أحد على انتقاده أو اتهامه بالتدخل في الشأن اللبناني، تماماً مثلما اختفت فجأة جميع الكتائب الإلكترونية التي اعتادت إشهار تهمة الخيانة والعمالة بوجه كل من يلتقي مسؤولاً أجنبياً من خارج سرب الطبقة الحاكمة. 

مع ذلك، مشهد وصاية ماكرون، العائد في ديسمبر/ كانون الأول إلى لبنان، خطير في دلالاته. عندما خرج اللبنانيون إلى الشارع كانوا ينشدون الإصلاح وتغيير النظام، لا ترميمه أو تجميله، كما يفعل حالياً ماكرون. وعندما رُفع الصوت ضد التدخل الخارجي، لم يكن ذلك من أجل استبدال الإيراني والسوري بوصاية أميركية أو فرنسية.

صحيحٌ أن الحراك الشعبي لم يكن قادراً على بلورة آلية واضحة لتحقيق أهدافه، ودفع ثمن ذلك، على مدى الأشهر الماضية، تخبطاً بمواجهة المنظومة الحاكمة، إلا أنه لم يفوّض إلى طرف خارجي التحدّث باسمه أو فرض نفسه وصياً على البلد. 

ما يقوم به ماكرون لا يختلف كثيراً عن أفعال الطبقة الحاكمة، بل يمكن القول إنهما من مدرسة انتهازية واحدة.

joumana farhat
جمانة فرحات