مأساة مفتوحة في الرقة السورية: المقابر الجماعية تملأ المكان

مأساة مفتوحة في الرقة السورية: المقابر الجماعية تملأ كل مكان

أمين العاصي
07 مايو 2020
+ الخط -

لا تزال تتكشف كلّ يوم فصولٌ جديدة من الكارثة الإنسانية التي حلّت بمحافظة الرقة في الشرق السوري، منذ سيطرة تنظيم "داعش" عليها بداية عام 2014، وما تلا ذلك من تدخل دولي لدحر التنظيم، الذي قتل عدداً لا يزال غير معلوم من المدنيين والعسكريين السوريين خلال فترة سيطرته، دفن جثثهم في مقابر جماعية، أو حتى في حفرةٍ بركانية في ريف الرقة الشمالي، لا يزال جوفها وما يحويه من جثثٍ غير مكتشف. وفضلاً عن المقابر الجماعية التي أوجدها التنظيم، والذي بدأ فريقٌ محلي منذ عام 2017 بانتشال جثث منها، وصل عددها حتى اليوم الى آلاف عدة، لا يزال رفات عائلات بأكملها مطموراً تحت ركام منازل مدينة الرقة، التي لحق بأغلبها الدمار، جرّاء قصف طيران "التحالف الدولي" لمحاربة "داعش". هذا التحالف لم يضع في حساباته، حين شنّ حملته ضد التنظيم، مصير عشرات آلاف المدنيين في الرقة، ما انتهى بكارثةٍ إنسانية مضاعفة.

وانتشل فريق "الاستجابة الأولية"، التابع لمجلس الرقة المدني، يوم الإثنين الماضي، 51 جثةً من مقبرة تلّ زيدان الجماعية الواقعة في ريف الرقة الشمالي الشرقي. وتسيطر "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، التي تشكّل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، على معظم محافظة الرقة. ونقلت وكالة "هاوار" التابعة للإدارة الذاتية الكردية، عن قائد فريق "الاستجابة الأولية"، ياسر الخميس، قوله إن المقبرة تقع بين قريتي الرقة السمرة والحمرات، في ريف الرقة الشمالي الشرقي، وتحوي 200 جثة على الأقل، مشيراً إلى أن أعمار الضحايا تراوح بين 25 و35 عاماً، جميعهم فارقوا الحياة نتيجة إعداماتٍ ميدانية كان قد نفّذها عناصر "داعش"، الذي سيطر على المنطقة لسنوات. ولفت الخميس إلى أن هذه المقبرة الجماعية هي الرقم 25 التي تكتشف في ريف الرقة. وكان قائد "فريق الاستجابة" قد أكد، في تصريحات صحافية سابقة، أنّ "فرق الاستجابة أنهت العمل في 16 مقبرة جماعية، كانت آخرها مقبرة معسكر الطلائع، الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة الرقة على بعد كيلومترات عدة"، موضحاً أن عدد الجثث المنتشلة منها تجاوز الـ800. ويضم الفريق نحو 30 عنصراً، يعملون ضمن إمكانات محدودة، إذ لم تدعم منظمات دولية متخصصة الفريق لرفع الأنقاض، وإزالة الألغام، وانتشال الجثث داخل أحياء المدينة المهدمة.

وتؤكد حملة "الرقة تذبح بصمت" أن "المقابر الجماعيّة المُكتشَفة خلال العامين الماضيين كانت تضم أكثر من ستة آلاف جثّة، تعود غالبيّتها لمدنيين من محافظة الرقّة"، مشيرة إلى أن معظم هذه المقابر لم تحوِ ضحايا لقصف "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة، الذي دكّ طيرانه الرقة وريفها في عام 2017، بل إنّ "داعش" خلَّفَها وراءه، وهي تضمّ جثث مدنيين من أبناء الرقّة كان التنظيم قد أعدمَهم، سواءً بشكلٍ ميدانيّ في ساحات المدينة، أو داخل سجونه. وأوضحت الحملة أن أكثر القتلى على يد التنظيم هم من عناصر "الجيش السوري الحرّ"، وكان قد أسرَهم خلال معاركه معه في يناير/ كانون الثاني 2014، أو ممّن تمّ إعدامهم بشكل فردي من معارضي التنظيم، إضافة الى الأسرى والرهائن الأجانب من الصحافيين، أو العاملين في المجال الإنساني. وكان التنظيم، الذي سيطر لسنوات على نحو نصف مساحة سورية، قد غيّب عدداً غير معلوم من المدنيين والعسكريين، خصوصاً خلال عامي 2014 و2015، كما عمد إلى إقامة إعدامات جماعية في الساحات العامة في المدن السورية التي سيطر عليها، بهدف زرع الرهبة في النفوس.



ومنذ سيطرة "قسد" على الرقة وأغلب ريفها في عام 2017، عقب حملة جوية نفذها "التحالف الدولي"، ووصفها سكان المنطقة بـ"المتوحشة"، بدأت تتكشف المقابر الجماعية، سواءً نتيجة القصف الجوي العشوائي أو فتك تنظيم "داعش" بالمعارضين والرافضين له، إضافةً إلى القتلى من الأسرى العسكريين من مختلف الأطراف. وتتركّز أغلب هذه المقابر الجماعية في داخل مدينة الرقة أو في محيطها.

وتؤكد مصادر محلية وجود مقبرة جماعية في الملعب البلدي في مدينة الرقة، من المرجح أن الجثث التي تحويها تعود إلى ضحايا القصف الجوي، بعدما لجأ إلى الملعب عددٌ كبير من المدنيين، على أمل تفادي ضربات "التحالف". كذلك تعتبر شوارع في الرقة بمثابة مقابر دفنت فيها عائلات بأكملها تحت ركام المنازل، إضافة إلى مقبرة في منطقة "البانوراما" جنوب المدينة، والتي تعتبر من أكبر المقابر الجماعية في المنطقة. ووفق المصادر، فقد انتُشلت من مقبرة "البانوراما" أكثر من 3 آلاف جثّة، مرجحةً وجود جثث أخرى لمدنيين وعسكريين على الأغلب أن تنظيم "داعش" كان قد أعدمهم على مدى سنوات سيطرته. كذلك اضطر عدد من المدنيين إلى دفن جثث ضحايا القصف الجوي والمدفعي، أو الاشتباكات، في الحدائق العامة وفي حدائق صغيرة تابعةٍ لمنازل، لعدم قدرتهم على دفنها في مقابر معروفة، بسبب كثافة القصف طيران "التحالف" حينها.

وكانت قوات "قسد" قد عثرت في إبريل/ نيسان 2017، على مقبرة جماعية شرقي مدينة الطبقة، والتي كانت تحت سيطرة "داعش"، حَوَت جثثاً، أكدت مصادر محلية أنها "لعناصر من قوات النظام السوري قُتلوا في المعارك، إضافة إلى مئات الجثث من عناصر قوات النظام الذين أعدمهم داعش بعد سيطرته على مطار الطبقة منتصف اعام 2014". كذلك عُثر على مقبرة في ريف الطبقة الغربي، ضمّت رفات 115 عسكرياً ومدنياً، أكدت مصادر محلية أن "التنظيم قتلهم خلال فترة سيطرته على المنطقة".

ولا تقتصر المأساة في محافظة الرقة على المقابر الجماعية المنتشرة في المدينة وفي مناطق بالقرب منها، إذ عاد إلى الواجهة من جديد منذ أيام الحديث عن حفرة "الهوتة" في ريف الرقة الشمالي، التي كان قد حوّلها "داعش" إلى مقبرة جماعية رمى فيها جثث قتلاه لسنوات. ويبلغ عمق الحفرة البركانية، التي تقع بالقرب من بلدة سلوك القريبة من الحدود السورية - التركية، نحو 50 متراً، إلا أن جوفها لا يزال حتى اللحظة مجهولاً.

وقبل أيام، استطلع فريق من منظمة "هيومن رايتس ووتش" هذه الحفرة بواسطة طائرة مسيرة، إذ أكد وجود ثلاث جثث تطفو على سطح المياه في جوفها. وقالت المنظمة، في تقريرٍ أصدرته يوم الإثنين الماضي، إن تنظيم "داعش" استخدم حفرة خلال سيطرته على المنطقة ما بين 2013 و2015، كموقع للتخلّص من جثث الأشخاص الذين اختطفهم أو احتجزهم. وأوضحت المنظمة أن تحقيقاتها أظهرت أن "الحفرة أعمق مما كانت الطائرة المسيرة قادرةً على رؤيته، لذلك من المرجّح وجود مزيدٍ من الرفات تحت سطح المياه".

وتخضع منطقة الهوتة والحفرة حالياً لسيطرة فصائل المعارضة السورية المرتبطة بالجانب التركي، إذ علّقت "رايتس ووتش" في تقريرها بأنه "أياً كانت الجهة التي تسيطر على المنطقة، فهي ملزمة بالحفاظ على الموقع، وتحديد هويات المفقودين والتحقيق في ملابسات وفاتهم". وطالبت المنظمة الدولية تركيا والفصائل المسلحة التابعة لها بالتعامل مع الهوتة والمقابر الجماعية الأخرى في المنطقة على أنها مواقع حدثت فيها جرائم وتأمينها لتجنّب إتلاف الأدلة المحتملة.

وقالت سارة كيالي، وهي باحثة مختصة بالشأن السوري في المنظمة، إن "حفرة الهوتة، التي كانت ذات يوم موقعاً طبيعياً جميلاً، أصبحت مكاناً للرعب والاقتصاص. وإن فَضْح ما حدث هناك، وما حدث في المقابر الجماعية الأخرى في سورية، أمر أساسي لتحديد ما جرى لآلاف الأشخاص الذين أعدمهم داعش، ومحاسبة قتلتهم". ونقل التقرير عن سكان محليين قولهم إن عناصر "داعش" كانوا يهددونهم بإلقائهم في "الهوتة" عندما كان التنظيم مسيطراً على منطقة الرقة، كما شاهدوا جثثاً متناثرة على طول حافة الحفرة.

وكان العالم قد سمع بهول حفرة "الهوتة" في أواخر عام 2014، عندما استطاع عاملٌ في محل صيانة إلكترونية في مدينة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي تفريغ محتوى جهاز حاسوب لمسلح في التنظيم جلبه للتصليح، وتضمن شريط فيديو يظهر مسلحين من "داعش" وهم يرمون جثثاً في الحفرة. وتناقلت وسائل الإعلام حينها على نطاق واسع هذا الشريط، الذي كشف جانباً من ممارسات التنظيم بحق معارضيه من المدنيين والأسرى من قوات النظام وفصائل المعارضة السورية وجهات أخرى.

وفي حديث مع "العربي الجديد"، قال رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن مسؤولية الكشف عن المقابر الجماعية في الرقة تقع على عاتق الجهات المسيطرة على المحافظة، وخصوصاً "قسد"، لا سيما جناحها السياسي (مجلس سورية الديمقراطي)، لافتاً إلى أن الكشف عن هذه المقابر جاء بمبادرات محلية، ما يعني أن انتشال الجثث من المقابر في أسفل أولويات قوات "قسد".

ورأى عبد الغني أن هذه القوات مهتمة بقضايا أخرى لا تؤسس لحياة مدنية في المحافظة، متسائلاً عن عائدات حقول النفط في المنطقة التي تسيطر عليها، والتي يجب توظيفها في الكشف عن المقابر، برأيه، لأنه أمر مرتبط بالاستقرار. ولفت كذلك إلى المسؤولية التي تقع على عاتق المنظمات الدولية، موضحاً أنه طرح المسألة على اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف أخيراً، لأن عمليات الكشف عن المقابر تجرى بطريقة تفتقر إلى الخبرة، أي أنها تتسم بالفوضى. وأضاف أن "الشبكة" طلبت من الصليب الأحمر القيام بالكشف عن المقابر وانتشال الجثث، لكن لم تتحرك أي منظمة دولية حتى الآن في هذا الاتجاه. كذلك أشار إلى إثارته الأمر أكثر من مرة في وزارة الخارجية الأميركية، "لأنها مسألة حساسة وخطيرة"، على حدّ قوله.

 

 

ذات صلة

الصورة

سياسة

تظاهر مئات المدنيين، الجمعة، في محافظتي إدلب وحلب ودعوا الضامن التركي للتدخل لوقف القصف الذي تشهده منطقة جبل الزاوية، جنوبي إدلب شمال غربي البلاد، فيما جدّدت الطائرات الحربية الروسية قصفها على ذات المنطقة، واستهدفت محيط نقطة مراقبة تركية.
الصورة

مجتمع

لم يكن العيد في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة، شمال غربي سورية، يحمل البهجة كما في الأعوام السابقة، نظراً لضغوطات الحياة المتزايدة على الأهالي والحرارة المرتفعة وتفرق العوائل، بسبب هجرة أفرادها إلى خارج سورية.
الصورة

مجتمع

هزت جريمة جديدة، تحت مسمى "غسل العار"، محافظة الحسكة شمال شرقي سورية، حيث أقدم والد طفلة على خنقها حتى الموت بذريعة الشرف، وذلك بعد أيام على مقتل الفتاة عيدة السعيدو بذات الذريعة.
الصورة
عقاب يحيى (فيسبوك)

سياسة

نعى "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية"، مساء الإثنين، السياسي والمناضل والأديب السوري عقاب يحيى، نائب رئيس الائتلاف، الذي وافاه الأجل اليوم بعد معاناة مع مرض عضال في مكان إقامته بتركيا. 

المساهمون