مأساة شيرين عبد الوهاب

26 سبتمبر 2019
الصورة
تخلّت شيرين عن عفويّتها (الأناضول)
+ الخط -
ربما كان متوقعاً من الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب وهي تقف على مسرح في مدينة جدّة لتحتفل بالعيد الوطنيّ السعودي، مع مجموعة من زملائها الفنانين، أن تمتدح "القيادة الحكيمة" للمملكة. وربما أن تذهب أبعد من ذلك، فتتحدّث عن دور ولي العهد محمد بن سلمان بتحويل السعودية إلى "جنة للانفتاح الثقافي والفني"، كما فعلت عشرات الفنانات العربيات اللواتي غنين في السعودية. كان ذلك ممكناً، ومتوقعاً. لكنّ شيرين لم تفعله.

بصوت مرتجف، وهي تلتحف شالاً أخضر عليه صورة الملك وولي عهده، أخبرتنا أنها "لا تعرف كيف تتكلم" وأنها أخذت عهداً على نفسها ألا تعطي رأيها بأي موضوع وألا تعبّر عما تشعر به. وعوضاً عن ذلك، طلبت شيرين من زوجها الفنان حسام حبيب "عشان مثقف وبيعرف يتكلّم" أن يأتي إلى المسرح ويلقي كلمة نيابة عنها.

كل شيء آخر كان أشبه بالمأساة: الزوج يشيد بالمملكة وبقيادتها، ويوجّه تحية إلى بلده مصر، وإلى "الريّس" (عبد الفتاح السيسي). وإلى جانبه شيرين تدير ظهرها للجمهور وتبكي.

لا نعرف تفاصيل ما حصل بعد ذلك، لكنه يبدو غير مهمّ. فمشهد شيرين المرتجفة والباكية على المسرح، ولعبها لدور الزوجة المطيعة والخاضعة، أمام زوج أقلّ موهبةً وشهرة ونجاحاً وكاريزما منها، ومنحه سلطة الكلام المطلقة في أمور يفترض ألا تفهمها النساء العربيات، كالسياسة، وحب الأوطان، والتطبيل للأنظمة، يتجاوز كل ذلك المسرح السعودي، إلى العالم العربي.

تتقمّص شيرين شخصية ملايين النساء العربيات، يخفن أن يسبقن في مسيرتهن المهنية نجاح أزواجهن، فيقدّمن واجب الطاعة بأشكال مختلفة، من الانحناء لتقبيل اليد إلى طمس تام للصوت والشخصية. يواجهن عند كل تعبير عن رأيهن السياسي، تنمراً يتراوح بين السخرية وبين معايرات بـ"العهر"، وتهديداً للسلامة الشخصية.

لم تكن شيرين يوماً صاحبة مواقف سياسية راديكالية، تحب مصر (وحكامها) كما تقول، و"في عز ما تحزن تمشي في شوارعها وتشكيلها".

عفوية شيرين أدخلتها في مشاكل كثيرة، سواء مع النظام المصري (تصريح الشرب من نهر النيل والبلهرسيا/2017 في الشارقة، وتصريح ينتقد حرية التعبير في مصر/2019 البحرين) أو مع جمهورها.

لكن في كل مرة كانت نجومية شيرين تنتصر على كل الغضب الذي يحاصرها. تعرف ببساطتها وعفويتها وفنها كيف تكسب معاركها.

السيدة الآتية من بيئة شعبية ومن مستوى تعليمي متواضع باتت خلال عقدين نجمة مصر الأولى، من دون أية منافسة نسائية حقيقية. تقول ما يحلو لها، وتفعل ما يحلو لها، من دون تنميق ولا حسابات كثيرة. تعترف بمحاولة الانتحار، تعتزل ثمّ تعود بعد ساعات قليلة عن قرارها.

على ذلك المسرح في جدة، خلعت شيرين كل تلك الصفات، تحوّلت من نجمة متمردة على المعايير التقليدية إلى امرأة عربية، بكل الأعباء التي تحملها، بانكسارها، وبخضوعها لصفات الزوجة الفاضلة.

قد نجهل تفاصيل كثيرة عن حياة شيرين الزوجية. وهي عموماً لا يفترض أن تعنينا. لكن ختام الفنانة المصرية لذلك المشهد المسرحي بقولها "اللي مالوش كبير، يشتري كبير"، حزين لفنانة بحجم وموهبة شيرين عبد الوهاب، حزين لمصر التي اعتقل فيها في أقل من أسبوع أكثر من ألف شخص عشوائياً نزولاً عند رغبة "الكبير"، وحزين للنساء العربيات، اللواتي يحاولن الهروب من سلطة "الكبير" أباً كان، أم أخاً أو زوجاً أم حبيباً.

دلالات

المساهمون