ليل شاتيلا المضاء بالبلطات

ليل شاتيلا المضاء بالبلطات

19 سبتمبر 2016
الصورة
+ الخط -

لا تفقد الكلمات قوَّتها تماماً. تصمت، أو يزوَّرُ عنها الواقع، غير أنَّ حمولتها تبقى هناك. قابلة للنطق بفعل محفِّزٍ خارجي. هكذا نفهم صمت كلماتٍ في زمن، ونطقها في زمن آخر. حتى إننا نعيد الاعتبار لها، أحياناً، بعد ألف عام أو ألفين. هذا يحصل. ولكنه ليس عزاءً من أيِّ نوع. اليوم عندما أريد استنطاق الكلمات تبقى هامدةً. أقول: صبرا وشاتيلا، فلا يقشعرُّ بدني. لا تهتزُّ شعرةٌ في رؤوس من يسمعون هاتين الكلمتين اللتين كفَّتا عن أن تكونا اسم عَلَمٍ منذ المجزرة. لم يكن الحال كذلك. كنت شاباً في السادسة والعشرين عندما حدثت. لكن، لا شيء من الشباب بقي مذ ذلك الصيف الدامي، المخيف عام 82.
خرجتُ من بيروت، مع الخارجين، بعدما فشل العالم كله في دفع الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تُصْلي بيروت الغربية بمختلف الأسلحة على الانكفاء أمتاراً إلى الوراء. ليس كلَّ يوم يأتي الجيش الإسرائيلي إلى بيروت. وهذه الأمتار عمِّدت بدمٍ مختار. ولن يغادر هذا الجيش الذي يظن أنه يستعيد حكايةً قديمة، بعدما وصل إلى قلب العاصمة اللبنانية. عليه أن يتأكّد، بالملموس، من طي فصلٍ من فصول النضال الفلسطيني/ العربي. وها نحن، بعد أربعة وثلاثين عاماً، نعرف أنه كان فصلاً، استثنائياً، غير ممكن الاستئناف لا شكلاً ولا مضموناً. هذا الفصل انتهى. هم تأكّدوا من ذلك، ومات سدنة الغزو وهم مطمئنون إلى كسر المثال وتحطيمه أمام الملأ. ولكنَّ هذا، فقط، في الزمن المرئي. وهو زمن استغرق، تقريباً، حياتنا كلها، نحن الذين كنا هناك. أتذكّر، الآن، تلك الكلمات الثلاث المكتوبة بالبنط الأحمر العريض على امتداد الصفحة الأولى لجريدة "الثورة" السورية: مصرع بشير الجميل. ثلاث كلماتٍ تطوي، هي أيضاً، فصلاً لبنانياً.

خرجت الى دمشق بعد بيروت. كان هناك آلاف مثلي في العاصمة السورية التي بدأ تلفزيونها الرسمي في بثِّ مسلسل مصري بعنوان "سقوط غرناطة". ليس الترابط بين "السقوطين" بريئاً. لا شيء بريء لدى عائلة الأسد. كان الخارجون من بيروت يلتقون في المقاهي. كان الوقت ضحىً (أو ظهراً)، عندما رأيت الصحيفة في كشك للصحف في منطقة الصالحية. كان هناك من يقرأ، على الواقف، هذه الكلمات الثلاث، من دون أن يتجاوزها. الباقي تفاصيل. فهذا هو مرشح الغزو، حصان طروادة، يُقتل في ميتةٍ مشهودة. بعد ذلك الخبر الصاعق، غير المتوقع بالمرَّة، ستحدث هوَّة في ذهن من يقرأ، خصوصاً لمن يعرف الحكاية. لم يطل الوقت، ولا فرحة الذين شمتوا بمرشح بيغن وشارون، والمصير الفظيع الذي آل إليه، حتى بدأت أخبار رعبٍ، من نوع آخر، تتسلل إلينا على الرغم من بعدنا عن مسرح البلطة والساطور. قتل بشير الجميل يوم 14 سبتمبر/ أيلول. كان يعد نفسه لتسلم الرئاسة اللبنانية، بعدما أمَّن له الإسرائيليون النصاب القانوني في برلمانٍ كان لعبة بيد الأقوى في لبنان. بدا مقتل بشير الجميل عرساً في مكانٍ، ومأتماً وجنوناً في مكان آخر. لم يمر يومان على اغتياله، حتى أطفئت الأضواء في مخيمي صبرا وشاتيلا، من دون أن يعرف جيران المخيمين ما الذي يجري.

بدأت المجزرة عشية 16 سبتمبر/ أيلول. أغلقت القوات الإسرائيلية الطرق المؤدية إلى المخيمين، وأنارت طرق حاملي البلطات والسواطير والبنادق الذي دخلوا إلى المخيمين وراحوا يقتلون، حرفياً، كلَّ كائن حي يصادفهم. شيء يشبه الهستريا. يشبه اللعب بالدم والأعضاء. اختباراتٌ بلا تسرّع، لمعرفة كيف تقتل من دون أن يداهمك أحد، أو يعرف أحد، غير الضحايا، ماذا تفعل. بأي نوعٍ من المخدرات والكحول والأحقاد والبربرية الأولى، اندفعت السواطير تقطيعاً في جسد كلّ كائن حي يتحرّك أمامهم، بما في ذلك الأحصنة التي شوهدت، بعدما أقفل الستار على مسرح الذبح البربري، الطقوسي، منفوخةً، مقلوبةً على ظهورها. رجال ونساء وأطفال وأحصنة طوردوا في أزقة ضيقة. الموت يترصدّهم. لا مجال للفرار.

كانت مصوّرة أوروبية صديقة من أوائل الذين دخلوا مسرح الجريمة. رأيت، لاحقاً، بعض الصور التي التقطتها كاميراتها المرتعدة. بقيت في ذهني صور البشر والأحصنة المنتفخة. كان بإمكاني أن أشمَّ الرائحة تتسرّب من ثقوب الطعنات وجراحها. لم يحاسب الذين فعلوا ذلك في ليل بهيم مثل أرواحهم. هذه الكلمات للتذكير: أكتبوا الجرائم. سيأتي يومٌ تنطقُ الكلمات.