فلسطيني من أصل أردني

01 يوليو 2019

(ضياء العزاوي)

+ الخط -
.. أطاح الاحتفاء الأدبي الذي أقامه لي مركز القدس للدراسات السياسية في عمّان بعض المظاهر السلبية في الثقافة العربية، وقدّم لي ملامح بداية مراجعة نقدية لهذه الأمراض التي سكنت جسد ثقافتنا، وعششت فيه، من دون أن تلقى تصدّياً جادّاً لها من البداية، فما إن ينال شاعرٌ، أو كاتبٌ، جائزة مرموقة، أو غير مرموقة، حتى تتدافع عليه عشرات الأقلام، معتبرةً أن مجاملة أو "تزبيطاً" حدث بين أعضاء لجنة التحكيم، وليس أن النتاج نفسه يستحق الجائزة. وها هي الكاتبة والشاعرة التونسية، آمال موسى، تكتب: كثيراً ما نكيل بالنقد طبيعة العلاقات بين المبدعين والمثقفين في الفضاء الثقافي العربي، وكيف أن الغيرة وعدم الاعتراف يسوسان هذه العلاقات، ويتحكّمان فيها. لذلك ظهرت أمثالٌ عربية كثيرة تعبّر عن انعدام ثقافة الاعتراف والشكر في حياة المبدع، حيث إننا ثقافة لا تمارس الاعتراف إلا مع الأموات، من خلال الرثاء وحسن التأبين، في حين أن غالبية المبدعين قلما يظفرون بحركة تقدير وامتنان، واعتراف بالدور والقيمة، وهم أحياء يرزقون، الشيء الذي جعل كثيرين يشعرون بالغبن والسخط وبالجحود. هذا بشكل عام وما هو سائد، غير أن الاستثناء حصل وما زال يحصل مع الشاعر الأردني المعروف، أمجد ناصر، إذ إنه منذ أن نشر في حسابه على "فيسبوك" ما يشبه الرثاء الذاتي، بعد أن أخبره طبيبه بفشل علاج مرضه العضال، حتى رأينا تكاتفاً مذهلاً ودعماً مفرحاً من شعراء وكتاب يتهافتون في نصوص الاعتراف الجارف لأمجد ناصر بقيمته الشعرية...
أجمل الكلمات التي تتحدّث عن "الاعترافات" ما قدّمه الشاعر الفلسطيني، غسّان زقطان، عن علاقته الشعرية بي، في أمسية الاحتفاء في عمّان، وهو شاعرٌ من جيلي في المشهد الشعري، الأردني والفلسطيني. أجاب عن سؤالٍ يتعلق بآبائه الشعريين، فلم يذهب إلى الأنصاب الكبيرة، إلى الرواد، وغبارها الذهبي، بل إلى من كان يلتقي به كل مساء في رحلة في الحافلة العمومية من عمّان إلى الزرقاء، بعد أن يتناولا ساندويشة وكباية شاي على مقهى رصيفي مكشوفٍ للسابلة، ثم يجلسا في الحافلة، ويتحدّثا عن الشعر العربي، والقصيدة الأردنية تحديداً، وخوفها من المغامرة والتجريب. وليس هذا ما يفعله الشاعر المرموق، مثل غسّان، في بحثه عن آباء شعريين، عندما يسأل عنهم، ولا يتأخر في الإجابة، بل يقول إنهم الذين يمشون بجانبه كتفاً بكتف، هم الذين يرتدون ثياباً مثل ثيابه، عندما لم يكن بنطلون الجينز مخزقاً ومرقّعاً كنوع من الموضة التي لم نعرفها إلا في هذه الأيام. لم أكن أعرف أن أمسيتنا الشعرية المشتركة في رابطة الكتاب الأردنيين في منتصف سبعينيات القرن الماضي كان لها أثر في تطور قصيدة غسّان، أو غيره من الشعراء، إلى أن قرأ كلمته، الرقيقة إلى أبعد الحدود.
كما كتب عن الأمسية: استطاع الشاعر والروائيّ والصحافيّ المبدع، أمجد ناصر، بتاريخه وسيرته ومسيرته وإبداعاته ومواقفه الوطنية والقومية والإنسانية، المتميزة، أن يحشد أطيافاً من الأردنيين والفلسطينيين، المختلفين ثقافيّاً وسياسيّاً، ربما لم يسبق أن اجتمعوا من قبل. .. اللقاء حول أمجد ناصر، ومعه، كان يحمل الكثير من المعاني والدلالات والرمزية، خصوصاً أن حفل التكريم جاء من جهتين، فلسطينية وأردنية، حيث تجتمع في روح أمجد هاتان الهويّتان المتشابكتان والمتعانقتان، فهو من بين قلائل تمكّنوا من الجمع، في انتمائهم، بين الهويّتين، جمعاً لا تستطيع التمييز فيه بينهما، حتى لقد أطلق عليه الصديق الشاعر الفلسطيني، غسّان زقطان، أنه "الفلسطينيّ من أصل أردنيّ"، الأمر الذي جعل أمجد يقهقه، وهو في حاله الصعبة. وربما لهذا السبب منحه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وسام الثقافة والفنون والعلوم لعام 2019.
حضوره مهيب حقّاً، وبلا ضعف. ومن يتأمّله يجد تاريخه في وجهه. لم يتغيّر. يتحدّث بهدوء، بحسب ما تسمح له الحال الصحيّة. لكنه كان متفاعلاً مع كلّ كلمة في الحفل. تتساءل، وأنت ترى حاله الصحية، كيف له أن يقاوم هذه المقاومة، هو الذي أخبره طبيبه البريطانيّ أنه لم يبقَ له سوى أن يكتب وصيّته، وعاد أمجد إلى الأردن، ليكتب ما يشبه مرثية.
.. في الحفل جرى استحضار صور أمجد ناصر، جوانب كثيرة من سيرته تمّ تناولها، منذ رحيله عن مدينة ميلاده المفرق، المدينة الصحراوية التي منحته سمة البداوة، ومعها معسكرات الجيش الأردنيّ بخشونته، مروراً بالعاصمة عمّان، وذكرياته في مقاهيها، وأظن بينها مقهى الأردن الذي كان مقهى غالب هلسا أيضاً.