لوران كوفيه: "تدجين الفن" وحكاية اغترابه

09 أكتوبر 2018
الصورة
(لوران كوفيه)

بعنوان "تدجين الفن"، أصدر الكاتب الفرنسي لوران كوفيه آخر أعماله، وهو أقرب إلى صرخة حول واقع الفن ومستقبله منه إلى دراسة سوسيو-تاريخية. ولهذا الإصدار خصوصيته التي تكمن في أنه نبع من تفكير صاحبه المباشر في ممارسته لمسؤولياتٍ إدارية في دار النشر Aldante ومن معرفة حميمة بالميدان الفني في فرنسا.

فالرجل يتابع شؤون المهرجانات واللقاءات والتظاهرات الفنية منذ 1994 تنظيمًا وإشرافًا ومشاركة، ويتحرّك بين أكثر من مجال: قطاع الكتاب، وإنتاج الأسطوانات الموسيقية، والفنون التشكيلية، والتأليف، وقد سبق له أن أصدر معجماً بعنوان "مئة مفردة عن الفن التزييني".

بفضل هذا الاشتباك العملي، كأننا بكوفيه قد أراد أن يعرّيَ الكواليس الخلفية لإشراف الدولة على قطاع الفن، بعد أن أصبح جزءًا من صلاحياتها الأساسية وشأنًا من الشؤون التي "ترعاها"، مثلما ترعى أمور الاقتصاد ومضامين المقررات الدراسية وأمن المواطنين ونظام معيشتهم.

أولى العتبات التي نلج منها إلى أفكار كوفيه عنوانه "تدجين الفن"، وهو جريء ذو نزعة نقدية لا يخطئها المتلقي. ورغم أن الكتاب ينغمس كلية في الشأن الثقافي الفرنسي، والأوروبي بشكل أوسع، فإنه بالنسبة لنا كقرّاء عرب، مناسبة لمراجعة مسلّمات من قبيل استقلالية الفن في أوروبا، وهو اعتقاد ناجم بلا شك من شعور بالقبضة الحديدية التي تسيّر بها الأنظمة العربية مجالات الثقافة، غير أننا نكتشف، في كتاب كوفيه، أنَّ قمعَ الفن وتدجينَه واحدٌ وإن تعدّدت الوسائل والمناهج.

بوضوح، يشير المؤلف إلى أن أهم ظاهرتيْن باتتا تميزان العلاقة بين السلطة والفن هما الترويض والاستعباد: ترويض الفنان حتى لا يخرج عن ولي نعمته، واستغلال ثمار فنه في دعم السلطة وتمجيدها. فقد صارت الفنون بأنواعها دولابا ضمن الدورة الاقتصادية وذريعةً يتوسل بها أرباب الأعمال والمال من أجل توفير الأرباح وتكثير الفوائد.

هذه الرؤية فرضت على الكاتب تفكيكَ المنطق اللبرالي الجديد الذي صار يتحكم في الإنتاج الفني، يوجه أشكالَه ويلوّن مضامينَه. حتى أن الفن اليوم، ورغم حيويته الظاهرة وبياناته الثورية وما بعد الحداثية، أصبح أكثر من أي وقتٍ مضى، ألعوبةً بين يدي السلطات السياسية تهيمن بها على العقول، بعد أن هيمَنت هي عليه.

قد يوحي العنوان، في الوهلة الأولى، بأنّ الفنان، في حد ذاته، بمعزل عن هذيْن المسارين: الترويض والاستعباد، فالمستَغَل والمروَّضُ ليس هو وإنما الفن، الذي بات خاضعا بالكلية لهذا التدجين. ولذلك، يركز الباحث، في عمله هذا، على الطريقة التي اغترب بها الفن عن ذاته، وأضاع خصوصيته، فصار ألعوبَةً وفَقَد ما كان يمثل عنصر القوة فيه: الحرية وروح التمرد.

فالفن في ماهيته، والشعر على وجه الخصوص، إنما هو طاقةٌ على تعرية آليات السلطة وكشف أقنعة الاستغلال والهيمنة. ولغته القوية هي التي تفضحُ وحدها تلاعب الساسة وأحابيل ذوي السلطة التي تفتك بالإنسان وبحريّته. الشعر، كما يقول الكاتب: "أداة مقاومةٍ، تواجه السيطرة، وتصمد أمام المقولات الذهنية والممارسات التي تتضمنها لغة السلطة، ولذلك، تخترع لغةً مغايرة، ومقولات وممارسات مختلفة"، وهذه هي وظيفة الفن التي تجرّدها منه دواليب السلطة بعد أن أوقعته في الاغتراب.

هكذا يعتبر كوفيه أن الفن قد تعطلت صِلتُه الثورية بالعالَم، وقد أصبح ممنوعًا من أداء وظيفته بسببٍ من خضوعه لقيد مزدوج: قوانين السوق اللبرالية وسلطة المؤسسة الحاكمة، وكل واحدة منهما صنيعة الأخرى. ويخلق كل ذلك مناخاً يزيد من ضمور الفن، فلا نلتقط من هذا العالم سوى ضجيج يسد الأسماع حيث تطغى أصوات الخطابات السياسية والاقتصادية وحتى "الثقافوية"، التي يغترب فيها الفن، وتكون النتيجة ضياع العالَم والإبداع.

كما سعى كوفيه، من خلال تحليل العديد من الحالات العينية، إلى تفكيك الظروف والوسائل والنتائج التي جعلت الفن يسقط في هذا الضرب من الاغتراب، مميزا بذلك مقاربته عن الهجمات السهلة التي يوجهها بعضهم إلى الفن المعاصر. فليس ضد الفن تُوَجَّه التهم، وإنما ضد المؤسسات السياسية والثقافية المعاصرة التي تسببت في تدجينه وترويضه. وهذا التمييز دقيق، لأنه يفصل بين روح الفن الحرة، وقدرته على النقد، وبين كونه مجرد وسيلة تابعة لإكراه المؤسسة وضغط المال، وحينها بالضبط، يفقد فرادته ويصبح مجرد أداة.

وكأنَّ الكاتب ابتغى بهذا التمييز أن يعود بالشعر إلى براءته الأولى، وصفائه الجوهري، وينتقد ما حصل بعدُ من استغلال "الأطراف الخارجية" له. وهذا الاستغلال عينه هو الذي يستدعي هذا النقد العنيف، لأنه شوه الطبيعة الأصلية للخَلْق وابتعد به عن وظائفه.

فعلى سبيل المثال، يقوم الكاتب بتشريح دقيق لعمل وزارات الثقافة، وكلها تتحرك بوصفها مجرّد أدوات سياسية، لا تكمن مهمتها في دعم الإبداع الثقافي بقدر ما تتمثل في ضمان مطابقة المنتج الفني مع مبادئ الدولة ورؤيتها الحزبية/ الطائفية/ الدينية للعالَم، وكذلك مع سياستها الداخلية واختيارات الاقتصاد فيها. فحتى المساعدات المالية والمنح الجامعية والدعم السياسي لا تقدم إلا لأولئك الذين يُذعنون للأفق السلطوي وينبطحون لإملاءاته: وأما من خرجَ عن رؤية النظام ونادى بتغيير الواقع والثورة عليه فمصيره القمع، وفي أحسن أحواله، الإهمال.

وهكذا تحوّل وزارة الثقافة الفنان إلى مجرد كادحٍ، تكافئه عن مدى التزامه بمصالح الدولة وخدمته لها وتعاقبه حين يخرج من "الطابور". ولذلك يلح كوفيه على ظاهرة " prolétarisation" وهي ما يمكن ترجَمتها "بتحول الفنان إلى كادح"، أيْ إلى مجرد عامِل، ملزم بأداء دورٍ وإنجاز مهمة، مثل أي عامل في مصنع، أكثر من كونه مبدعًا للقيم ومصورًا لما يجيش في نفسه. وهكذا يصبح "فيلق الفنانين" بمثابة جوقة تتغنى بنص كتبته السلطة.

أراد لوران كوفيه أن يكون كتابُه هذا (وهو الثالث الذي يخصصه لنقد عوالم الفنون المعاصرة) صيحةً تعيد الفنَّ إلى ذاته، إلى تعدديته وقوته الخلاقة، وإلى وجوده ذي الطبيعة الثورية والسياسية، حتى يتحرر من الإكراه السلطوي ويتفادى تدخلاته السمجة، التي تجعل منه مجرّد قناعٍ يخفي قبح الاستغلال، أو "كلب حراسة" يرعى الموجود، ويهمل المنشود، كما كان بول نيزان يصف صنفاً من المثقفين.

وقد نلمس هنا وهناك، في فصول هذا الكتاب، عناصر مقاربة مثالية للفن، ناجمة من رؤية جوهرانية له، تجعل منه حقيقة متعالية. ولكن، في الواقع، لا وجود لفن دون فنانين، ولا أثرَ له خارج ما يجترحه بعضهم باسمه، ولم يصبح الفن أداة سهلة بيد السلطة إلا بعد أن أسلم المنتسبون إليه أزِمَّتهم إلى السلطة وفرطوا في ذممهم من أجلها.

ولعل قراءة عالمنا العربي من خلال التحليل الدقيق الذي أجراه كوفيه تظهر مدى صدق أطروحته: ذلك أنّ ما تبقى من الفن، في هذه المنطقة التي طحنتها الصراعات والاستبداد والنعرات الطائفية والتشرذم السياسي، هو صدىً لرداءة الممارسة السياسية فيها، وترجيعٌ لوضع التبعية لدى فنانيها. وما تواصل إنتاج قصائد البلاط وأدبيات الشروح والتحشية ومسرحيات الانبطاح إلا دليل على استمرارية نهج التزلف الذي قتل في الفن ما به يكون، وجعله صدى الحاكم لذاته.

هكذا، ونحن ننقل أطروحة كوفيه إلى منطقتنا تتأكد الطبيعة التنبيهية الإنقاذية لهذه الصرخة الجسورة، بما هي دعوة إلى التفكير في توفير ظروف جديدة للإنتاج الأدبي وتوزيعه، وهي ظروف تحرّر الوعي السياسي للفنانين والأدباء، وعلى هؤلاء تقع مهمة تحرير الفن بعد ذلك، وليس لديهم ما يخسرونه سوى أغلالهم التي تشدّهم إلى المتنفّذين، تماماً كما كان كارل ماركس يقول عن الطبقة العاملة الصناعية في القرن التاسع عشر.

دلالات

تعليق: