لبنان والعدالة المتأخرّة

24 اغسطس 2020
الصورة

أمام مقر المحكمة الخاصة بلبنان قرب لاهاي في هولندا (18/8/2020/فرانس برس)

+ الخط -

خمسة عشر عاما في لبنان كأنها خمسون، آخر أسابيع منها كانت أقسى وأفظع من جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، بمضاعفاتها السوسيولوجية والكيانية نتيجة تفجير مرفأ بيروت من بين الأقدم والأهم على المتوسط، الشريان الاقتصادي والتجاري للبنان والمنطقة، ونافذة الشرق على الغرب منذ أكثر من مائة عام. خمسة عشر عاما كي تعلن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بشأن اغتيال الحريري، حكمها الذي اتهم عنصرا قياديا ميدانيا في حزب الله بارتكاب الجريمة. ولكن الحريري ظل حاضرا في ذاكرة اللبنانيين، وفي يومياتهم خلال كل هذه السنوات، بفعل عملية القضم التدريجي للسلطة التي بدأها حزب الله منذ عام 2005 بعد الاغتيال، واضطرار الجيش السوري للانسحاب، انتهت بوضع أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، يده على السلطة، بعد أن فرض ميشال عون رئيسا للجمهورية نهاية عام 2016. سنوات عاشها اللبنانيون، وجمهور الحريري بشكل خاص، على موعد مع "الحقيقة والعدالة"، فكانت بمثابة طريق جلجلةٍ مجبول بدم أكثر من عشرة شهداء اغتيلوا بعد الحريري من سياسيين وصحافيين وقادة رأي على مدى ثماني سنوات، ثم احتلال وسط بيروت سنة ونصف السنة، سبقه حرب يوليو/ تموز 2006 التي افتعلها حزب الله بخطفه جثتي جنديين إسرائيليين، ثم غزوته المسلحة لبيروت في 7 مايو/ أيار 2008 تبعها إسقاط أول حكومة يترأسها سعد الحريري نهاية عام 2010، وغيرها من الأحداث التي كانت تهدف إلى ملء الفراغ الذي خلفه اغتيال الحريري في السلطة من جهة، وخروج القوات السورية من جهة أخرى. وكانت هذه المحطات والأحداث تزيد من انتظارات اللبنانيين وتعطّشهم إلى معرفة الحقيقة، والاقتصاص من القاتل، وتحقيق العدالة بعد عشرات السنين من القتل والإجرام، وترفع من سقف توقعاتهم، وتدفعهم إلى أن يعلقوا آمالهم على محكمة دولية أريد لها أن تكون بديلا عن القضاء اللبناني الذي طوّعه النظام الأمني السوري - اللبناني، وأن يبنوا حولها مشاريعهم ومستقبلهم وأحلامهم بالحرية والحياة، وفي وضع حد للاغتيالات السياسية. وأصبح كل قرار أو خطوة أو مبادرة مرتبطا بالحكم الذي ستصدره المحكمة، إلى درجة أنها تحولت، لدى جيل من الشباب العشريني، ما قبل الاغتيال وما بعده، إلى نوع من عصا سحرية ستقضي على النظام السوري وعلى حزب الله معا بخبطةٍ من طرقة قاض.

تحولت المحكمة الدولية لدى جيل من الشباب اللبناني العشريني، ما قبل الاغتيال وما بعده، إلى نوع من عصا سحرية ستقضي على النظام السوري وحزب الله

يعود هذا الواقع الافتراضي، في جزء كبير منه، إلى فشل القوى التي كانت تشكل تحالف 14 آذار، والتي افترض أنها صاحبة مشروع سيادي تغييري لإصلاح النظام والمؤسسات، بعد أن تحرّر البلد وأصبحوا أسياد قراره، وليس مجرّد مشروع سلطة لم يعرفوا حتى المحافظة عليها كما تبين فيما بعد، على الرغم من حصولهم على الأكثرية النيابية دورتين انتخابيتين (2005 و 2009)، ما زاد في إحباط جيل كامل من الشباب وشرائح واسعة من اللبنانيين الذين دفعهم الإحباط واليأس إلى تفجير ثورة 17 تشرين (أكتوبر) 2019 في مواجهة سلطةٍ لم يتمكّنوا من إسقاطها، وبات حاميها والمدافع الأول عنها حزب الله، ما زاد في تعلقهم، وتعليق آمالهم، ومحاولة تعويض خيباتهم، على الحكم الآتي من المحكمة الدولية. وإذا بها تشكّل لهم الصدمة الكبرى! محكمة دولية خاصة بلبنان أنشئت بقرار من مجلس الأمن للتحقيق في جريمة بهذا الحجم، التي اعتبرها بعضهم يومها "جريمة العصر"، ودعمتها وصوتت عليها وموّلتها دول كبرى، وجنّدت لها كل الطاقات والإمكانات وطواقم التحقيق، خمسة عشر عاما، لكي تصدر حكمها بتجريم شخص واحد فقط من الخمسة من حزب الله المتهمين منذ عدة سنوات، كما أنها لم تتهم أيا من أجهزة النظام السوري، ولا تمكّنت من إثبات بوقائع حسية ملموسة تورّط نصرالله أو بشار الأسد! انطلاقا من هذه النظرة، ومن هذا الفهم لدور المحكمة، تبدو خيبة الأمل كبيرة وصادمة.

صدور حكم المحكمة خطوة غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، بوضعه حدا للإفلات من العقاب بعد أكثر من أربعين سنة من مسلسل الاغتيالات

كان المُراد للمحكمة أن تلعب دور الثورة التي تقتلع السلطة، وتسقط النظام الأسدي، وتقلب موازين القوى في المنطقة، وتضع حدّا للتمدّد الإيراني في الشرق الأوسط، وليس كشف القاتل وتحقيق العدالة التي هي في أساس وهدف أي عملية سياسية أو تغييرية من كل ما تقدّم ذكره من تحولات وآمال. الحكم الذي أصدرته المحكمة هو أولا خطوة غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث، بوضعها حدا للإفلات من العقاب بعد أكثر من أربعين سنة من مسلسل الاغتيالات الذي حصد في عشر سنوات خيرة من سياسييه، بدءا من الزعيم السياسي والمفكر الإنساني كمال جنبلاط الذي اغتاله النظام السوري عام 1977 والرئيس المنتخب بشير الجميل الذي اغتاله أيضا النظام السوري عام 1982، ورئيس الحكومة رشيد كرامي عام 1987 ومفتي الجمهورية حسن خالد عام 1989 وبعده بأشهر النائب ناظم القادري، قبل أن يتم اغتيال الرئيس رينيه معوض، أول رئيس جمهورية بعد التوقيع على اتفاق الطائف في نهاية السنة نفسها، ثم اغتيال داني كميل شمعون في نهاية 1990 مع زوجته وولديه. وبعد اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري عام 2005، كرّت مجددا سبحة الاغتيالات، بدءا من سمير قصير وانتهاء بمحمد شطح خلال ثلاث سنوات. معظم الاغتيالات، إن لم نقل كلها، من عام 1977 وحتى عام 2013، خطط لها النظام السوري، ونفذتها أجهزته. ولكن لم يتم حتى إجراء تحقيق جدّي وشفاف في أي من هذه الجرائم، ولم يكشف بطبيعة الحال عن مجرم واحد ممن خطّطوا ونفذوا هذه الجرائم البشعة التي كان هدفها الدائم منع قيام سلطة لبنانية مستقلة أو أي طرفٍ يسعى إلى مثل هذا الهدف والتمرّد على سلطة الوصاية السورية التي مارسها آل الأسد باسم "الأخوة" و"العروبة" على لبنان ثلاثين سنة. اليوم هناك حكم صادر بحق مجرم معروفةٌ هويته وانتماؤه وصلته التنظيمية الوثيقة بقيادة حزب الله، ولكن عدم إثبات التهم بالكامل على المتهمين الآخرين، وليس ارتباطهم بالحزب، لا يخفّف أبدا من أهمية الحكم، فإثبات الجرم لا علاقة له بالعدد ولا بالكم.

المحكمة لم تتهم أياً من أجهزة النظام السوري، ولا تمكّنت من إثبات بوقائع حسية ملموسة تورّط نصرالله أو بشار الأسد!

قد يسأل سائل: هل يعقل أن جريمة بهذا الحجم قام بها ونفذها شخص واحد؟ طبعا لا، ولكن تجريم متهم واحد وتثبيت انتمائه وارتباطه بحزب الله ودوره وموقعه فيه يؤكد هوية المسؤول الأساسي والمخطّط، ويؤكّد، في الوقت عينه، أن المحكمة ليست مسيسة كما اتهمها أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، باستمرار، وأن حزب الله غير معني بما يصدر عنها. فيما يعكس تأخره في التعليق على الحكم الإرباك الذي وقع به، واضطراره للتأكيد مجدّدا ان المتهم سليم عياش عنصر في حزب الله، واتهامه يعني اتهام نصرالله شخصيا! وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن عدم توجيه الاتهام لنصرالله أو للأسد يعود إلى نظام المحكمة نفسه الذي لا يتيح اتهام رؤساء دول أو أحزاب أو هيئات عامة، بل أشخاص فقط. ولهذا التدبير القاسي والمشبوه طبعا حكاية يجب أن تروى، ومفادها بأنه فيما كانت المداولات قائمة في كواليس مجلس الأمن للتفاهم حول نظام عمل المحكمة وآليته، وكان التواصل قائما مع نصرالله نفسه في بيروت، بحسب ما كشف وزير العدل اللبناني في تلك الفترة، شارل رزق، كان المحقق الدولي الأول في الجريمة، الألماني ديتليف ميليس قد باشر تحقيقاته، وفاجأ مجلس الأمن بتوجهه إلى دمشق طالبا أن يحقق مع بشار الأسد. وهنا سارعت روسيا والصين إلى اشتراط وضع بند يمنع التحقيق وتوجيه الاتهام إلى الرؤساء وقادة الأحزاب، وإلا فإنهما سيعترضان في مجلس الأمن بالفيتو على تشكيل المحكمة، وهكذا حصل. فوافقت الحكومة اللبنانية التي كان يترأسها فؤاد السنيورة على مضض، كي لا تفوت فرصةً غير مسبوقة لإنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان. غير أن كل ما جاء في متن الحكم الذي صدر يؤكد الأسباب السياسية للجريمة، ويؤشر إلى مصلحة النظام السوري في التخلص من رفيق الحريري، عندما يشير إلى لقاء المعارضة الثاني في فندق البريستول، ومشاركة نواب من كتلة الحريري فيه، وإلى ما قاله الحريري لوزير الخارجية السوري، وليد المعلم، في بيروت قبل اغتياله بأسابيع حاملا على القيادة السورية التي تسعى إلى إدارة الأمور من وراء ظهره، وكان رد المعلم إنها بدأت تخاف من دوره وتأثيره على الداخل السوري، وغيرها من وقائع تثبت عمليا أن المحكمة تصوب أصبع الاتهام إلى النظام، ولكنها لا تملك صلاحية توجيهه قانونيا ورسميا، وكذلك بالنسبة لنصرالله.
السنوات الخمس عشرة إذاً هي اليوم بمثابة فرصة جديدة تفتح أمام لبنان الجريح، لعل بإمكانها أن تعينه على مواجهة تحدٍّ جديد، زلزال مرفأ بيروت، الأصعب والأقسى والأشد ألما، والذي بدأت مضاعفاته تحفر عميقا في جسم التركيبة اللبنانية الشديدة الحساسية والتعقيد، وبالأخص إذا كان المسبب والفاعل هو ذاته!