لبنان: طريق مسدود داخلياً بحجم قلّة الاهتمام الدولي

27 أكتوبر 2015
الصورة
في تظاهرات الحراك المدني ضد السلطة(جوزف عيد/فرانس برس)
+ الخط -
تناقلت مصادر سياسية ودبلوماسية عدة في لبنان، منذ أشهر قليلة، حديثاً مفاده أنّ لبنان ليس على رأس أولويات اهتمام القوى الإقليمية والدولية. ويأتي كلام كل من رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جيرار لارشيه، والأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، يوم الجمعة الماضي، ليؤكد ذلك.

وأشار لارشيه في مؤتمر صحافي خلال زيارته إلى لبنان، إلى أن "القضية اللبنانية لم تعد في مقدمة الاهتمامات الدولية كما أيام الطائف (اتفاق نتجت عنه تعديلات دستورية أنهت الحرب الأهلية عام 1989 برعاية أميركية ــ سعودية ــ سورية)، أو الدوحة (اتفاق تلا اجتياح حزب الله لبيروت، وتم الاتفاق خلاله على قانون جديد للانتخابات النيابية ورئيس للجمهورية عام 2008)، ولذلك يعود للبنانيين أن يمسكوا بزمام أمورهم ويقرروا مصيرهم بأنفسهم".

أما نصرالله، فتوجّه إلى اللبنانيين في تصريح له في مناسبة عاشوراء، بالقول "لا تنتظروا حواراً إيرانياً ــ سعودياً، الأمور تزداد تعقيداً في المنطقة. لا تنتظروا مبادرة أميركية أو غربية، لبنان خارج اهتمامات الدول. لبنان اليوم متروك لزعمائه ولأحزابه الذين يجب أن يتحمّلوا المسؤولية التاريخية في هذه المرحلة".

يضع وضوح هذين التصريحَيْن، اللبنانيين أمام مسؤولية حلّ أزمتهم الداخلية بأنفسهم، وعدم رميها على الصراعات الإقليمية والوضع في سورية، والنزاعات الدولية. لكن هذا لا يعني أن لبنان مقبل على حلّ سريع لأزمته الداخلية. فالأزمة باتت متعلقة بالنظام السياسي وليس فقط بالعملية السياسية. وهذا ما يتقاطع مع كثير من الكلام الذي يُقال في صالونات بيروت السياسية.

هناك شبه إجماع على أن تطبيق اتفاق الطائف، ارتبط بوجود راعٍ إقليمي (النظام السوري)، وهذه الرعاية انتهت عام 2005، وتُرجمت باغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، ثم انسحاب الجيش السوري. فشلت القوى السياسية في إدارة العملية السياسية، وقد ترافقت تلك المرحلة مع موجة اغتيالات، وثبت أن حكم لبنان لا يُترجم بصيغة الرابح والخاسر، وأنّ كل طائفة أساسية لا تستطيع أن تحكم البلد وحدها، لكنّها تملك حق "الفيتو".

اقرأ أيضاً: لارشيه مودعاً بيروت: لبنان ليس أولوية لدى المجتمع الدولي

دخل لبنان أزمة مشابهة للأزمة الحالية بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق إميل لحود، والفشل في انتخاب رئيس جديد، حتى قام حزب الله بعملية عسكرية ــ أمنية في بيروت (7 أيار 2008)، قُتل خلالها العشرات، ونتج عنها مؤتمر في العاصمة القطرية الدوحة، اتفق خلاله على تجديد الحياة السياسية عبر إقرار قانون انتخابات نيابية وانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وإجراء انتخابات نيابية. فشلت الأكثرية الرابحة (14 آذار)، آنذاك، في حكم البلاد، وتدريجياً تفاقمت الأزمة السياسية.

شكّل دخول حزب الله إلى الحرب السورية، داعماً النظام السوري في وجه الثورة، عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد الداخلي. في المقابل، راهن تيار المستقبل (بزعامة الرئيس سعد الحريري)، على انهيار سريع للنظام السوري، يتبعه انهيار لمنظومة حزب الله، وهو ما لم يحصل. فشل الطرفان في رهاناتهما، وفي لحظة الجديّة في مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران ونتيجة لضغوط إقليمية، شُكّلت حكومة تمام سلام في فبراير/ شباط 2014، لكنها فشلت بدورها، في الحكم بشكلٍ جدي.

لا يبدو أن هناك أفقاً للحلّ داخلياً. فشلت الحكومة في حلّ أزمة النفايات منذ يوليو/ تموز الماضي، وبحسب ما تؤكّد مصادر سياسيّة، فإنه "لا توافق على حلّ في المدى المنظور في هذا الشأن". وتتحدّث مصادر رئيس الحكومة تمام سلام، عن أن حزب الله لم يُقدّم سوى مواقع لا تصلح لإقامة المطامر. وتُختصر الأزمة اليوم، برغبة كل فريق في فرض مرشّحه إلى رئاسة الجمهورية، بما يعنيه هذا الأمر من تكريس للمعادلة السياسية. ويصرّ حزب الله على ترشيح النائب ميشال عون، وسبق للنائب وليد جنبلاط أن كرّر مراراً أنّ وصول عون أو رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى الرئاسة الأولى، يعني تدمير اتفاق الطائف.

وفي الوقت الذي يُعلن فيه حزب الله ضرورة تفعيل الحوار الداخلي، يرفع شعارات توتّر الوضع اللبناني، من خلال التهجّم على السعودية، أخيراً، واستبدال شعار "الموت لأميركا" بشعار "الموت لآل سعود"، وهو ما يُثير الطائفة السنيّة في البلد، ويدخل لبنان في الصراع السعودي ــ الإيراني، كما سبق وأدخله في الملف السوري. في المقابل، يُصرّ تيار المستقبل على استبعاد عون، بما يعنيه هذا الأمر من تكريس لاتفاق الطائف، وهذا ما يجعل التوافق الداخلي أمراً صعب المنال. في غضون ذلك، يستمر رئيس الحكومة في تكرار تحذيراته من سحب الغطاء الدولي للاستقرار اللبناني والدخول في دوامة الحرب السورية.

اقرأ أيضاً: "صراخ" حزب الله ــ المستقبل لملء الفراغ... الحكومة باقية

المساهمون