لبنان.. الثورة والحكومة

11 نوفمبر 2019
الصورة
الإلحاح الشديد من حزب الله وحليفيه، التيار الوطني الحر وحركة أمل، على رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل، سعد الحريري، بقبول تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، يقابلُه الأخير بتشدّد مقابل. والأخبار المتواترة أن لقاءيه مع رئيس التيار، جبران باسيل، الأسبوع الماضي، لم يخرجا بخريطة تفاهم، وكذا لقاؤه مع رئيس الجمهورية، ميشال عون، بعدهما. كما انتهى اجتماعُه في منزله، أول من أمس، مع مبعوثيْن رفيعين من حزب الله وحركة أمل، إلى عدم اتفاق، مع أنهما حملا إليه مقترح رئاسته حكومةً تكنو سياسية، غير أن البادي أن الحريري غير متحمّس لذلك كله، ويبدو أنه يستثمر فرصةً لاستعادة كثيرٍ من الشعبية التي أضاعها مع قبوله التسوية التي جاءت به رئيسا للحكومة وعون رئيسا للجمهورية، كما أنه لا يستطيع العمل، رئيسا للحكومة، بالكيفيات نفسها التي خبرها مع وزراء مستقدمين من أحزابهم المعلومة، في ائتلافٍ مرتجل، ينمّ عن تكاذبٍ ظاهر أكثر من تأشيرِه إلى توافقٍ على برامج وخطط عمل ومبادراتٍ حكوميةٍ توفر للمواطن اللبناني حاجياته الملحة. والظاهر أن سعد الحريري يدرك الحاجة الحادّة إليه داخليا وخارجيا، ويفترض أن في وسعه، في هذا الحال، أن يعود إلى السراي وقد حقق مطالب المتظاهرين اللبنانيين، أو كثيرا منها، أو أقله صيغا تمكّن من الوصول إلى تحقيقها، وعناوينها الثلاثة الأبرز: حكومة تكنوقراط، انتخابات نيابية مبكرة بقانون انتخابي جديد، استعادة الأموال المنهوبة.
وهذه هي المرة الأولى منذ اتفاق الطائف في عام 1989 تتأخر فيها الاستشارات النيابية الملزم أن يقوم بها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس حكومة، ما قد يدلّ على أن الرئيس عون يحاول استعادة الحريري رئيسا لحكومةٍ مطعمةٍ بوجوهٍ مرضيةٍ للشارع الغاضب، من دون كبير اختلالٍ بمعادلة ما بعد تسوية أكتوبر 2016 التي حملتْه إلى قصر بعبدا، المعادلة التي يرى حزب الله في كسرها امتثالا لاشتراطاتٍ أميركيةٍ وسعودية، يتم من خلالها العبور إلى إبعاده عن الحكم، وحصارِه سياسيا، الأمر الذي يفسّر ارتيابه المعلن من الثورة الجارية في البلاد، والتي صار يقول إنه مع مطالبها الاجتماعية والمعيشية. ومن المتوقع أن يعيد التأكيد على هذا الأمر الأمين العام للحزب، حسن نصرالله، في خطبةٍ له اليوم الاثنين، مستعيدا في الوقت نفسه الطعن في أغراضٍ مستترةٍ لهذا الحراك. والمرجّح ألا يستقبل الثائرون في مظاهرات بيروت وطرابلس وصيدا، وعموم لبنان، كلاما كهذا بغير الإهمال، وهم الذين تجنّبوا الاصطدام اللفظي والعراك الكلامي المباشر مع حزب الله، مؤثرين ابتكار فعالياتٍ احتجاجيةٍ متنوعةٍ ضد كل السلطة وتلويناتها، ومنها المسيرة التي يتم الترتيب لأن تكون مليونيةً غدا الثلاثاء باتجاه مجلس النواب، بمناسبة انعقاد أولى جلساته التي قال المجلس، في السابع من نوفمبر/ تشرين الأول الجاري، إنها ستشهد "ثورةً تشريعية"، على جدول أعمالها عدة مشاريع واقتراحات قوانين إصلاحية، منها قانون مكافحة الفساد، وإنشاء محكمةٍ خاصة للجرائم المالية. وجريا على ما صار مألوفا من أقطاب الطبقة السياسية النافذة والحاكمة في لبنان، قال رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، إنه مع الحراك بكل مطالبه، باستثناء قطع الطرقات والشتائم والإهانات.
لا تؤشّر مظاهرات الغضب المرتقبة إلى أن اللبنانيين قبضوا كلام برّي، وجدول أعمال المجلس النيابي، على محمل الجد، كما أنهم لم يروا في المشاوير إلى دارة سعد الحريري غير استهبالٍ لهم، واستعباطا من الطبقة الحاكمة، عندما تتجاهل الشعارات الجامعة لثورتهم، والتي تزدري جميع الرموز والأقطاب والزعامات والأحزاب، بل وترى هؤلاء، جميعَهم بلا استثناء، تتوزّع عليهم المسؤولية عن الوضع المالي العام المتردّي والذاهب إلى انهيارٍ خطير، وعن الاهتراء السياسي الفادح الذي ينزع عن كل هؤلاء شرعية تمثيلهم الناس الذين يدّعون النطق باسمهم... وفي هذه الأثناء، يلحّ البطريرك، مار بشارة الراعي، على الاستعجال بالاستشارات النيابية للوصول إلى حكومةٍ "يريدها شعبنا وشبابنا"، ويلحّ البنك الدولي على الاستعجال بالحكومة العتيدة، ويلحّ المتظاهرون على ما هو أبعد وأبعد، بدأبٍ ومثابرةٍ مدهشيْن.