لبنان: استدعاء صحافي "مسّ بهيبة الدولة المالية"

02 أكتوبر 2019
الصورة
يواصل مستوى الحريات تراجعه في لبنان (جوزيف عيد/فرانس برس/Getty)

تستكمل حفلة الجنون في لبنان فصولها؛ بعد ملاحقة الصحافيين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب آرائهم، يسلط سيف المحاسبة اليوم ضد كل من يمس بـ "هيبة الدولة المالية"، في محاولة لإسكات الناس، في مرحلة اقتصادية تعتبر الأخطر منذ انتهاء الحرب الأهلية.

إذ كشف الصحافي اللبناني عامر شيباني عن تبلغه بإلزامية حضوره إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية للتحقيق معه حول تغريدة قال فيها إنه توجه إلى مصرف "سوسيتيه جنرال" لسحب مبلغ من المال من حسابه بالدولار، لكنه منع بسبب عدم توفر العملة الأميركية.

لم تحقق الدولة اللبنانية مع المصرف، بوصفه بالحد الأدنى منع صاحب الحق من التصرف بحرية بأمواله، بل تحركت ضد المواطن بحجة "المس بهيبة الدولة المالية".

تقف الطبقة السياسية عاجزة عن التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان. تارة تلقي المسؤولية على اللاجئين السوريين بخطاب عنصري تحريضي، وتارة أخرى على المواطن ووسائل الإعلام تحت حجة بث أخبار كاذبة، وسط تقاذف للمسؤوليات، وفي ظل غياب تام للتفسيرات التي من المفترض أن تطمئن الشارع.

بدأت القصة بتعميم أصدرته رئاسة الجمهورية اللبنانية تضمن نصوص مواد قانونية توضح العقوبات التي تنزل بحق من يرتكب جرائم تهدف للنيل من هيبة الدولة المالية، وتلاه حديث لمصدر مقرب من بعبدا لإحدى القنوات اللبنانية عن "أكثر من غرفة عمليات تعمل لضرب العهد ولتقويض سلطة الدولة"، مؤكداً أن "كل من يبث شائعة سيلاحق، لا تساهل بعد اليوم بكل ما من شأنه تقويض سلطة الدولة، سواء المالية والدستورية، ولا سيما المالية، لأن فيها تدميراً للبلد".

وتضمنت المواد المنشورة في تعميم رئاسة الجمهورية "المادة 209" من قانون العقوبات التي تحدد ماهية النشر، والمادتين "319" و"320" من القانون نفسه اللتين تحددان العقوبات التي تنزل بمرتكبي جرائم النيل من مكانة الدولة المالية.

ولاحقاً تقدّم المحامي وعضو المكتب السياسي في "التيار الوطني الحر" وديع عقل بإخبار النيابة العامة الاستئنافية في بيروت بشأن "تحقير الدولة اللبنانية ورئيسها، وتلفيق مزاعم، وإحداث تدنٍّ في أوراق النقد الوطنية، وحض الجمهور على سحب أموال".

وطلب عقل من الضابطة العدلية المتخصصة "الكشف عن مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديد مصادر الأخبار الملفقة ضد مصالح الدولة اللبنانية، ومكامن بثها وتوقيف المرتكبين والكشف على بيانات اتصالاتهم، لتحديد هوية المحرضين والمشتركين وإنزال العقوبات بحقهم ليكونوا عبرة لمن اعتبر". كذلك طلب من هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان إجراء تحقيقات متلازمة، والاتصال بإدارات مواقع التواصل الاجتماعي، وإبلاغهم عن المخالفات القانونية المرتكبة بحق الدولة اللبنانية وأمنها الاقتصادي والمالي، والتنسيق معهم لاتخاذ كافة الإجراءات المتاحة لمعاقبة الفاعلين وتجنب أي ضرر مستقبلي.

لكن يبدو بوضوح وفق حالة شيباني أن الغاية من التعميم وتسليط سيف الملاحقات ليس ملاحقة الأخبار الكاذبة بل إسكات الأصوات القلقة على مصيرها، خصوصاً أن تغريدة عامر لم تتضمن لا تلفيقاً ولا حتى رأياً، بل مجرد عرض لواقع حصل معه، لا أكثر ولا أقل.

وعلى الرغم من محاولات كم الأفواه في لبنان إلا أنه للسخرية تتزامن هذه التحركات في لبنان مع ازدياد نسبة التقارير الدولية المحذرة من الأسوأ، ولعل أبرزها الذي صدر يوم أمس عن وكالة "بلومبرغ" الأميركية، مشيراً إلى أن  سياسة تثبيت سعر صرف الليرة "تحت الحصار"، وملمحاً إلى أنّ "ساعة الحساب حانت أخيراً". كذلك ذكرت أن وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني صنفت لبنان بمستوى زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وحذرت من تآكل إجمالي احتياطي المصرف المركزي. وبالتوازي قررت لجنة مراجعة التصنيف الائتماني للبنان في "موديز" الإبقاء على التصنيف الحالي "1 CAA"، لكنها وضعته "قيد المراقبة باتجاه التخفيض خلال ثلاثة أشهر إذا لم يتبلور مسار الأمور باتجاه إيجابي".

ويمر لبنان بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية بأزمة حريات كبيرة أدت إلى تراجع مستوى الحريات فيه في السنوات الأخيرة، مع تنامي خطاب الكراهية والحضّ على العنف. وشهدت السنوات الأخيرة ملاحقات عدة لصحافيين وناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتعبيرهم عن آراءهم السياسية، تحت شعار المس برموز الدولة السياسية والمقامات الدينية، إضافة إلى إلغاء حفلات وندوات للأسباب نفسها.

وتأتي أيضاً سياسة الملاحقات الجديدة بالتزامن مع تنامي القلق في لبنان، وخروج تظاهرات يوم الأحد الماضي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، ووقوع صدامات بين المتظاهرين وقوى الأمن.

على أن الأخطر اليوم يكمن في أن كم الأفواه يتعلق بقلق اللبنانيين على لقمة عيشهم ومصيرهم، وسط تقصير وتجاهل من قبل الطبقة السياسية التي يحملها اللبنانيون مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، وكأنها تقول لهم: "موتوا بصمت".